الجبال والبحار: كيف رسم بورقيبة والبارزاني حدود المواطنة العابرة للمحاور؟”

الباحث الحقوقي رنج باراوي *

نادراً ما تلتفت الدراسات السياسية المقارنة إلى البحث عن نقاط التماس بين الحركات التحررية في المغرب العربي ونظيراتها في المشرق، وتحديداً في الفضاء الكردي. غير أن القراءة العميقة لحركة التاريخ الإنساني تُثبت أن الجغرافيا، مهما اتسعت هوتها، تذوب أمام وحدة الفكرة، ونبل المقصد، وعبقرية القيادة.
حين نتأمل التجربة الوطنية التونسية في أوج مخاضها الحديث، والتجربة النضالية الكردستانية في مسيرتها الطويلة من أجل التحرر، نجد أنفسنا أمام لوحة فكرية ونضالية صاغتها يد عبقريتين فذتين: الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، والزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني.

إن هذا المقال لا يسعى إلى سرد وقائع تاريخية جافة، بل يحاول الغوص في “فلسفة الحكم وبناء الإنسان” لدى قادتين لم يكتفيا بطلب الحرية لشعوبهما، بل وضعا الأسس العميقة لمفهوم المواطنة، وسيادة القانون، والتعايش السلمي.
لم يكن نضال الحبيب بورقيبة في تونس، ولا ثورة الملا مصطفى البارزاني الخالد في كردستان العراق، مجرد ردود أفعال عاطفية أو رغبة في السلطة؛ بل كانا تعبيراً حتمياً عن انتفاضة الوعي الإنساني ضد الإنكار والتهميش.
في تونس، واجه بورقيبة استعماراً استيطانياً فرنسياً حثيثاً، لم يكتفِ بوضع يده على الثروات، بل سعى لتجفيف المنظومة الفكرية للمجتمع التونسي وطمس هويته العربية الإسلامية والقرطاجية. تميزت عبقرية بورقيبة هنا بأنه أدرك مبكراً أن مواجهة هذا النوع من الاستعمار لا تتم بالعاطفة وحدها، بل بـ”العقلانية السياسية” والمقاومة المدروسة التي تزاوج بين العمل الميداني والدبلوماسية الدولية، معتبراً أن الاستقلال هو المفتاح لفتح أبواب معركة أكبر.
على المقلب الآخر، وفي جبال كردستان الشامخة، كان الملا مصطفى البارزاني الخالد يقود ثورة إنسانية وتاريخية ضد عهود من الغدر والإنكار ومحاولات الصهر القومي والاضطهاد الممنهج الذي مارسته الحكومات العراقية السابقة المتلاحقة. وهنا يكمن جوهر الفلسفة البارزانية: لم تكن الثورة يوماً خياراً للتفرقة، أو دعوة للانفصال الأعمى القائم على الكراهية، بل كانت انتفاضة شرعية من أجل استعادة الحقوق التاريخية والإنسانية لشعبٍ حُرم من أبسط مقومات الوجود. كان البارزاني الخالد يؤمن بأن نضاله ليس ضد القومية العربية أو المكونات الأخرى، بل ضد الأنظمة الديكتاتورية الاستبدادية التي صادرت كرامة الإنسان العراقي بمختلف أطيافه وعن طریق القراءة المتواضعة یمكن ٲن نعطي الحق في ابراز معالمهم في السیاسة ودبلوماسیة وعلمنة في جهدهم الكثیف لبناء ٲلانسان وٲلاوطان وتجسید كرامة المواطن بعلویة القوانین یبین لنا :

اولا: الفلسفة البورقيبية.. “الجهاد الأكبر” والاستثمار في الذات البشرية:
تنطلق فلسفة الحبيب بورقيبة في بناء الدولة من مبدأ أساسي: “إن الدولة لا تصنع المجتمع، بل المجتمع الواعي هو الذي يحمي الدولة”. لذلك، بمجرد تحقيق الاستقلال وإعلان الجمهورية، أطلق بورقيبة مصطلحه الشهير “الجهاد الأكبر”، وهو معركة بناء الإنسان ومحاربة الجهل والفقر والتخلف.
لم تكن ميزانية تونس الناشئة ضخمة، ومع ذلك وجّه بورقيبة ثلث الميزانية الوطنية لقطاعي التعليم والصحة. كان يؤمن أن القلم هو السلاح الحقيقي الذي يضمن عدم عودة المستعمر، وأن المواطن الجاهل لا يمكنه ممارسة ديمقراطية حقيقية أو حماية مكتسبات وطنه.
بورقیبة فكر في بناء دولة المواطنة العصرية وعلمنة المؤسسات الاجتماعية تبلورت عبر إصداره لـ “مجلة الأحوال الشخصية”، أحدث بورقيبة هزة فكرية واجتماعية في العالم العربي بأسره. لقد أخرج المرأة التونسية من دائرة التهميش لتصبح شريكاً كاملاً في بناء الوطن، مكسراً البنى القبلية التقليدية لصالح “مواطنة متساوية” أمام قانون مدني موحد يطبق على الجميع دون تمييز.

ثانیا: الفلسفة البارزانية.. الكرامة، دولة القانون، والتعايش الفسيفسائي:
إذا كان بورقيبة قد حارب الجهل بالتعليم، فإن الملا مصطفى البارزاني قد حارب الاستبداد والتفرقة بترسيخ “ثقافة الكرامة والتعايش السلمي”. إن المتأمل في أدبيات الثورة الكردستانية تحت قيادته يلحظ عمق الوعي الإنساني الذي تجاوز حدود القومية الضيقة ليتحول إلى مظلة لكل الأحرار والمضطهدين.
 تنطلق فلسفة البارزاني الخالد -والتي تمثل اليوم الركيزة الأساسية في توجيهات وفلسفة فخامة المرجع فخامة مسعود البارزاني- من أن كرامة المواطن لا تتحقق إلا في ظل دولة قانون، وأن يكون احترام القانون فوق أي اعتبارات سياسية، أو عشائرية، أو حزبية. الإنسان هو المبتدأ والمنتهى، وبناء وعيه بحقوقه وواجباته هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار مآسي الماضي.
التعايش كعقيدة نضالية في الوقت الذي كانت فيه الأنظمة الحاكمة تغذي النعرات الطائفية والقومية للبقاء في السلطة، كانت جبال كردستان وفكر البارزاني يعلمان الأجيال درساً بليغاً في التسامح.
تحت راية الثورة الكردية، عاش الكرد، والعرب، والتركمان، والإيزيديون، والمسيحيون، والشيعة، والسنة، والصابئة، والكاكائية كمواطنين متساوين في الحقوق والكرامة الإنسانية. لم يكن هذا التعايش مجرد شعار سياسي لكسب التعاطف، بل كان سلوكاً يومياً وعقيدة نضالية تؤكد أن ثورة كردستان هي ثورة إنسانية أخلاقية تسعى لرفع الظلم عن الجميع دون استثناء.
واذا قمنا في  مقاربة تحليلية لنقاط القوة والعبقرية القيادية حين نضع التجربتين في ميزان التحليل السياسي، نكتشف نقاط قوة مشتركة وفذة ميزت الشخصيتين الكاريزميتين نجد كما یلي:

اولا:الواقعية السياسية والمرحلية (“خذ وطالب”): تميز بورقيبة بعبقرية المناورة؛ كان يعلم متى يتقدم ومتى يتراجع تكتيكياً لتحقيق مكاسب استراتيجية. هذه العبقرية تجسدت أيضاً لدى البارزاني الخالد حين فرض على الحكومة العراقية اتفاقية 11 آذار التاريخية عام 1970، والتي انتزعت لأول مرة اعترافاً رسمياً بالحكم الذاتي للحقوق الكردية، مستخدماً القوة العسكرية للدفاع والحكمة السياسية للتفاوض.

ثانیا:الالتصاق بالجماهير ونقاء السريرة: تميز القائدان بقدرة هائلة على مخاطبة وجدان المواطن البسيط. لم يكن كلامهما مجرد خطابات منمقة، بل كان نابعاً من عمق شعوري وتجربة حية. بورقيبة كان يخاطب التونسيين بلهجتهم وبساطتهم ليزرع فيهم قيم التحديث، والبارزاني كان يعيش بين مقاتليه ومواطنيه في قمم الجبال، يتقاسم معهم رغيف الخبز والبرد، مما جعل تلاحم الشعب مع قيادته صخرة تحطمت عليها كل المؤامرات.
ثالثا: العبارات التي تركها القادة: ليست مجرد كلمات عابرة في سجلات التاريخ، بل هي “دساتير روحية” تهتدي بها الأجيال.ومن الضروري ان نتطلع الي وجهة النظر الزعیمین الخالدین في مسیرتهم الوطنیة عبر فلسفتهم نجد ٲن:
-حين كان بورقيبة يتحدث عن “الجمهورية”، كان يرى فيها سفينة النجاة التي تنقل الإنسان التونسي من ظلمات الرعية والتبعية إلى أنوار المواطنة والمسؤولية. كلماته كانت دعوة دائمة لإعمال العقل، واحترام مؤسسات الدولة، وجعل المصلحة الوطنية العليا فوق كل المآرب الضيقة.
-وحين كان البارزاني الخالد يوصي بضرورة إحقاق الحق وعدم الاعتداء، كان يرسخ فلسفة أخلاقية فريدة للثورة. فالحق عنده لا يُستجدى بل يُنتزع بالثبات والصمود، والعدالة لا تتجزأ؛ فلا يمكن للمظلوم أن يصبح ظالماً لغيره إذا تمكن. هذا الفكر الإنساني النبيل هو ما يتوارثه المجتمع الكردستاني اليوم، وهو الأساس الذي تبنى عليه مؤسسات الإقليم المعاصرة: التعايش، التسامح، وبناء الإنسان الواعي قانونياً.

 اذن لماذا نحتاج ان نتوجه نحو أفق مشترك.. من تونس الخضراء إلى كوردستان الجبل؟
 الجواب تلقائیا یكمن في إن القيمة الحقيقية لقراءة هاتين التجربتين تكمن في كيفية استثمار هذا الإرث الفكري الغني لبناء الحاضر والمستقبل. تونس الخضراء، بتجربتها المتجذرة في المواطنة، والمدنية، وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، تلتقي اليوم مع إقليم كردستان العراق، هذا الإقليم الشاب والطموح الذي يمتلك إرادة صلبة في التطوير، والتحديث، والتعايش السلمي علی الرغم من التحدیات والصعوبات والازمات الخانقة مرت بها ولایزال ٲلان لدیها فراغ تشریعي ودستوري ولكن بالمثابرة والجدل المنطقي وبناء العلاقات مع جمهوریة تونس سیكون ٱمام التقدم نحو خوض تجربة جدیدة لنیل الاستحقاقات والبدء بٲصدار قانون المواطنة ثم المواطنة لكي یجسد شموخ الدیمقراطیة في برنامج حكوماته المقبلة وان یركز علی بناء الانسان قبل بناء الاوطان.

ماذا يحتاجه إقليم كردستان اليوم، وهو يمضي بثبات نحو آفاق التقدم والازدهار، هو تعزيز التلاقح الفكري مع التجارب الملهمة كالتجربة التونسية؟

اولا:تعميق مفهوم سيادة القانون: بحيث يكون القانون هو السقف والدرع الحامي لكل مواطن، بعيداً عن الولاءات الضيقة، لضمان استقرار مجتمعي مستدام يجلب الاستثمار ويبني الاقتصاد علی فراغ والباطل.
ثانیا:الاستمرار في ثورة بناء الإنسان: التركيز على إصلاح التعليم، وتطوير الفكر الثقافي والدبلوماسي، ونبذ الفكر الإقصائي، امتداداً لوصايا المرجع البارزاني التي ترى في الإنسان أساس الأوطان لانه من الصعب ان نقول للمواطنین یجب علیكم ان تحبوا وطنكم وهم مالایعرفون عن المواطنة وحقوقم وواجباتهم دستوریا .
في النهاية، يبدو لنا بوضوح أن الحبيب بورقيبة والملا مصطفى البارزاني الخالد هما وجهان لعملة تاريخية واحدة عنوانها: “تحرير الإنسان لبناء الأوطان”. لقد أثبتت الأيام أن الشعوب التي تمتلك قادة بهذا الحجم الفكري والإنساني لا تموت ولا تنكسر، وأن جسور الدبلوماسية الشعبية والفكرية بين تونس وكردستان هي جسور متينة، بناها الصدق، الأمانة، وتاريخ مشترك من النضال من أجل الكرامة الإنسانية. ومن خلال السير على هذه الخطى، تظل الأوطان متقدمة، متطورة، وعصية على عوادي الزمن .

*رئیس معهد الاصلاح الجنائي كوردستان-العراق

الهوامش والمراجع :

أولاً: المصادر والمراجع الخاصة بالتجربة التونسية والفكر البورقيبي:

۱.الحبيب بورقیبة (1978). خطب ورسائل الزعيم الحبيب بورقيبة، منشورات وزارة الإعلام التونسية، تونس. (تتضمن هذه السلسلة الخطب الشهيرة حول “الجهاد الأكبر” ومفهوم الدولة الحديثة).
۲.محمد الشارفي (2000). الإسلام والحداثة: التجربة التونسية نموذجاً، دار الجنوب للنشر، تونس. (تحليل فكري لمنظومة التعليم ومجلة الأحوال الشخصية وسيادة القانون في عهد بورقيبة).
۳.محسن تومي  (1989). تونس: من بورقيبة إلى بن علي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء. (دراسة تفكيكية لبناء مؤسسات الدولة الوطنية وتفتيت البنى القبلية).
٤.ألبير بنتور  (1986). بورقيبة: سيرة سياسية، ترجمة: حمادي صمود، الدار التونسية للنشر، تونس.
ثانياً: المصادر والمراجع الخاصة بالتجربة الكردستانية وفلسفة البارزاني:
۱. مسعود البارزاني (2002). البارزاني والحركة التحررية الكردية (متعدد الأجزاء)، دار ئاراس للطباعة والنشر، أربيل. (يُعد هذا المؤلف المصدر الأساسي والأكثر دقة لتوثيق فكر ومسيرة وثورات الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني واتفاقية 11 آذار 1970).

۲.معروف عارف (1998). الحركة التحررية الكردية والمعادلة العراقية، مطبعة وزارة الثقافة، السليمانية. (تحليل ونقد تاريخي لسياسات الأنظمة العراقية السابقة ونضال الشعب الكردي من أجل حقوقه الإنسانية والتاريخية).
۳.شيرزاد شواني (2012). الفكر السياسي للثورة الكردية المعاصرة: من البندقية إلى دولة القانون، دار الزمان للنشر والتوزيع، دمشق.
ثالثاً: المراجع العامة في الفكر السياسي والمواطنة المقارنة
-علي الوردي (1995). لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء السادس، دار كوفان، لندن. (مفيد لفهم طبيعة البنى العشائرية والسياسية في العراق ومقارنتها بمفاهيم المواطنة).
-مركز الدراسات الإستراتيجية والشرق أوسطية (2018). المواطنة وحقوق المكونات في المشرق والمغرب العربي: دراسة مقارنة بين النماذج الدستورية، دار الفكر الفلسفي، تونس.

قد يعجبك ايضا