صباح راهي العبود
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ومع أفول الحكم العثماني عام 1918 ودخول العراق تحت الانتداب البريطاني، بدأت البلاد طوراً جديداً من إعادة تشكيل هويتها الثقافية، وكان للموسيقى نصيبٌ وافر من هذا التحوّل؛ إذ تراجعت سطوة القوالب العثمانية التي هيمنت طويلاً، وراحت تتبلور ملامح شخصية موسيقية عراقية تستند إلى المقام العراقي العريق وتقاليد الغناء الحضري البغدادي، لكنها في الوقت ذاته تنفتح على روح العصر وتستجيب لنداء التجديد. وفي هذا المناخ، أخذت طبقة جديدة من المثقفين والفنانين بالتشكّل في بغداد، كان لأبناء الأقليات الدينية، ولا سيما الموسيقيين العراقيين ، دور محوري فيها، إذ أسهموا في تأسيس نواة التخت العراقي الحديث، وشرعوا في تسجيل المقامات والأغاني، محوّلين التراث الشفاهي إلى مادة موثقة قابلة للانتشار والتطوير. وفي موازاة ذلك، ازدهرت المقاهي البغدادية بوصفها مسارح يومية للفن، مثل مقهى حسن عجمي ومقهى الشط ومقهى عزاوي, مقهى عارف أغا وكثير غيرها، حيث تعانقت الأصوات والأنغام، وبرزت أسماء أخذت تشق طريقها نحو الريادة، مثل محمد القبانجي الذي قدّم المقام بروح الحداثة المتجددة، وصديقة الملاية وسليمة مراد اللتين منحتا الغناء النسائي حضوراً لافتاً ومؤثراً.
وعلى خلفية الصراع بين الحداثة والتراث راحت الدولة الملكية الفتية تستشعر دور الموسيقى في تشكيل الهوية الوطنية. فعزّزت حضورها، وأطلقت مشروعات لتأسيس الإذاعة وتكوين الفرق الموسيقية الرسمية. كان صالح الكويتي من أوائل من تولوا هذه المهمة في الإذاعة العراقية الوليدة جالبًا معه رؤية فنية ناضجة، تنبع من أصالة عراقية خالصة، لكنها منفتحة على الزمن القادم. لم تكن تلك النهضة الموعودة مكتملة بعد، لكنها كانت ناهضة بكل ما تعنيه الكلمة. نهضة تشبه طلعة الفجر التي لا تُعلن عن النهار فوراً، لكنها تبشر به، وتستنهض القلب، وتملأ الأفق بشيء من الأمل، شيء من الموسيقى والشجن فصار غناءً. كانت بغداد في تلك اللحظة الحرجة من القرن العشرين، تنقّب عن صوتها، وتكتشف في ذاتها لحناً طويلاً بدأ بالأنين،
ومع العشرينيات من القرن الماضي، بدأت شركات التسجيل الأجنبية، مثل “بيضافون” و”أوديون”، تصل إلى بغداد لتوثّق هذا الحراك، فسُجلت أولى الأسطوانات لمغني المقام إضافة إلى المطربات والمطربين الشعبيين، من بينهم القبانجي وصديقة الملاية ثم تبعهم الكثير ، الأمر الذي أتاح للأغنية العراقية أن تعبر حدودها المحلية، وأن تتحول إلى صناعة فنية واعدة، تفتح أمام أصحابها أفق الاحتراف. ومن رحم هذه التحولات، أخذت ملامح الأغنية البغدادية الحديثة بالتكوّن، معتمدة على نصوص شعرية باللهجة الدارجة، وإيقاعات مستمدة من الموروث الشعبي، وقوالب لحنية أكثر تحرراً من صرامة المقام التقليدي، وقد برع في صياغة هذا اللون الأخوان صالح وداود الكويتي، اللذان أسسا مدرسة موسيقية جديدة تمزج بين الجذور العراقية والنَفَس الحديث. وكان للموسيقيين اليهود عموماً دورٌ أساسي في هذا التطور، إذ أسهموا في بناء البنية الموسيقية للأغنية العراقية، وابتكار أشكال غنائية تجمع بين المقام والطقطوقة والبستة، مما منح الغناء العراقي مرونةً وتنوعاً أكبر. وفي الوقت ذاته، بدأت تتشكل نوى غير رسمية لتعليم المقام عبر التلمذة والمجالس الفنية، إذ أخذ الرواد، وفي مقدمتهم القبانجي، ينقلون معارفهم إلى جيل جديد، ممهدين الطريق لتدوين المقامات وتصنيفها في العقود اللاحقة. كما أخذت الدولة العراقية الناشئة تدرك أهمية الموسيقى في بناء الهوية الوطنية، فدعمت هذا التوجه تدريجياً، وصولاً إلى تأسيس معهداً للفنون الجميلة وإذاعة بغداد عام 1936, وتشكيل فرق موسيقية رسمية كان من أبرز قادتها صالح الكويتي، وهي خطوات لم تكن سوى ثمرة للبذور التي زُرعت في تلك المرحلة المبكرة. ولم يكن هذا الحراك بمنأى عن التأثيرات العربية، إذ شهدت بغداد زيارات لوفود فنية مصرية ولبنانية، حملت معها أشكالاً جديدة من التعبير الموسيقي والمسرحي، وأسهمت في إدخال عناصر درامية إلى الغناء، وظهور بوادر الأوبريت.
وهكذا، فإن بوادر النهضة الموسيقية في العراق بعد الحرب العالمية الأولى لم تكن مجرد تحوّل فني معزول، بل كانت جزءاً من صحوة ثقافية شاملة عبّرت عن توق مجتمعٍ بأسره إلى إعادة اكتشاف ذاته، فخلعت بغداد شيئاً فشيئاً عباءة الجمود، وارتدت وشاح الحداثة بصوتٍ عراقيّ الروح، عربيّ الانتماء، شرقيّ الجذور، ممهدة الطريق لعصرٍ ذهبي سيبلغ فيه الغناء العراقي ذروة تألقه في الأربعينيات والخمسينيات وما تلاه.