زينه عبدي
في خضم ما تمر بها المنطقة من صراعات ونزاعات، ومع تعثرات الحرب الأمريكية- الإيرانية ورهاناتها المخفقة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة والتي تمخضت عنها كلفة عسكرية وسياسية باهظة الثمن ليس فقط على طرفي الحرب بل على أطراف إقليمية ودولية أخرى. هنا تبرز محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تكثيف المضايقات والممارسات على إيران عبر جر الكورد نحو حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، من خلال إلقائه اللوم والمسؤولية الكاملة على الطرف الكوردي باحتجازه واستيلائه على الأسلحة والمعدات العسكرية المرسلة من قبل أمريكا التي كانت مخصصة للإطاحة بالنظام الإيراني، في محاولة منه الانتقاص من الكورد كونهم لم يرضخوا لمطالب واشنطن في تنفيذ أوامرها وتقديم الدعم اللازم في حربها ضد إيران، الأمر الذي يشير إلى تنصل ترمب من إخفاقه الميداني والسياسي عبر استخدام الكورد كورقة ضغط جيوسياسية متى ما استدعت الحاجة داخل أية معادلة أمريكية ضاقت أو توسعت خلافاً لتصريحاته السابقة ووصفهم للكورد بالشركاء الاستراتيجيين، ما يعزز فكرة تعامله مع الكورد من منظور براغماتي قائم على حسابات ورهانات مرحلية بمنأى عن أية شراكات سياسية وعسكرية ثابتة.
حاول ترمب تقديم دعمه الكامل للكورد في شرق كوردستان(غرب إيران) وبصورة علنية لتصعيد مشهد الهجوم والاستهداف السياسي والعسكري على نظام الملالي الإيراني في محاولة الاستفادة من موقف الكورد تجاه الأنظمة الإيرانية القامعة للشعب الكوردي من جهة، وتبيانه أنه الداعم الأساسي لنيلهم حقوقهم المشروعة النابعة من جوهر قضيتهم الكوردية ووطنهم كوردستان من جهة أخرى، ما بلور هالة من احتمالية قيام تمرد وتنديد كوردي في شرق كوردستان، لكن التاريخ بات يحذر الكورد أشد التحذيرات بل وأكثر إرهاباً سياسياً من محاولات ترمب البائسة في سعيه الآني لزج الكورد، ليس فقط في شرق كوردستان بل امتدت لتشملهم في جنوبها أيضاً، في مشهد العدوان والتمرد ضد النظام الإيراني، إلا أن الثقة بواشنطن باتت ضعيفة نوعاً لا سيما بعد التجارب الفاشلة معها أثناء التغيرات في الحالة السياسية.
في هذا السياق، تعامل الكورد مع مطلب ترمب بجدية وحذر لإبعاد أنفسهم عن الانخراط المباشر في هذه الحرب لا سيما بعد اتصالات إدارته مع بعض القيادات الكوردية لتشكيل حالة من الإرباك الداخلي وبالتالي تخفيف التصعيد العلني والمباشر مع إيران، ما جعل خطاب ترمب يدخل مرحلة التناقض الشديد بين الفينة والأخرى، حيث تحريضه بصورة غير مباشرة لنشوب حرب داخلية كوردية إيرانية من جهة، وتصريحاته الإعلامية المستبعدة والداحضة للمساندة الكوردية التي لم يتلقاها كما كان يأملها وبأسرع وقت ممكن من جهة أخرى والتي باتت تتناقض بشكل صريح مع موقف الإدارة الأمريكية، التناقض الذي شكل مناخاً وبيئة من الشكوك حول التعامل الأمركي مع الكورد في المنطقة.
يتضح، أن الكورد في جنوب كوردستان أو شرقها(بغض النظر عن مشروعهم السياسي غير الموحد ووجود عدة تنظيمات فيما بينها) مدركون على الإطلاق لما تقوم به الدول الكبرى وفقاً لنفوذها ومصالحها داخل موازين القوى لا سيما في حالات الصراعات والنزاعات، في تأكيدٍ على رسالة مفادها، لا سيما من قيادات إقليم كوردستان، أن المناطق الكوردية لم ولن تكون ساحة للحرب أو تصفية الحسابات الإقليمية والدولية، مشيرين إلى رفضهم القاطع لأن يتحول الكورد إلى طرف فعلي في الحرب الأمريكية-الإيرانية، بل أبدت القيادة الكوردية في جنوب كوردستان موقفاً حازماً ودعمها الكامل لعملية الاستقرار في المنطقة.
اليوم، الكورد يواجهون أعتى الخطابات الخطيرة والتمييزية لا سيما في إقليم كوردستان لأنهم لم يمتثلوا لأوامر ترمب، بل كان لهم موقفهم في رفضهم وتنديدهم لإقحامهم في صراعات إقليمية ودولية بما يتوافق مع القوانين الدولية التي يجب أن تجرم ما يقوم به الرئيس الأمريكي من ضغوطات ومحاولات الدفع بهم نحو حرب مع إيران.
كوردياً، ولتجنب الانزلاق إلى ساحة الحرب والنزاع حاليا، يحتاج الكورد إلى إرساء الاستقلالية السياسية في الأجزاء التي تتعرض لتهديدات ومخاطر وإبعاد القضية الكوردية عن متاهة الصراعات الإقليمية والدولية، وترتيب البيت الداخلي الكوردستاني لا سيما على المستويين السياسي والعسكري وتذليل كافة العقبات التي تعمق الشرخ بين الكورد في أجزائها الأربعة كي لا تمنح الفرصة لأي جهة أجنبية استثمار الصراعات الكوردية-الكوردية بما يخدم مصالحها.
من جانب آخر، الاتهامات التي طالت الكورد من قبل الرئيس الأمريكي فيما يتعلق بالملف الأكثر حساسية وهو التسليح والأسلحة يتطلب فتح قنوات تواصل مباشرة أكثر دبلوماسية عبر ممثلين رسميين لشرح الموقف وتوضيح مآلات الاتهام بصورة علنية وواضحة، وعبر بيانات رسمية ذات دبلوماسية عالية عوضاً عن التصعيد أو السجالات المعلنة. ومن المفترض، طرح طرف ثالث وتفعيل دوره كوسيط لإيصال الرسالة بإطار قانوني وعدم الدخول في صراع آخر مفتوح للقراءات السياسية، مع إبقاء المجال مفتوحا للحوار وتبادل النقاشات بشكل متواصل لصد التراكمات التي تؤدي إلى خلاف طويل الأمد.
في هذه اللحظات المفصلية المفعمة والمنهكة بالتوترات الإقليمية والدولية، يبرز دور الصحافة المسؤول والرقابي والتحليلي والتفكيكي في محاولة لكشف السرديات وتجنيب كافة الأطراف الانجرار وراء الخطابات التصعيدية التي لا تصوغ مصالحها. يمكننا اقتراح ما يمكن للصحافة القيام به لتكون أداة حصن أساسية على المستويين المعرفي والسياسي عبر تحليلها للخطاب السياسي لتوضيح التباينات في السرديات المتضاربة وتقديم معلومات صحيحة ودقيقة بعيداً عن التعبوية لمنع الاستقطابات الحادة، والسؤال المحوري الذي يطرح نفسه: هل الوقوف مع الأطراف الخارجية يدعم القضية الكوردية حقاً، أم أنه يساهم في إعادة إنتاج التموضع السياسي وفقاً لمكاسب تلك الأطراف؟
الصحافة الحقيقية هي من تهدم وتفتح مساحات للنقاش والحوار البناء الاستراتيجي الذي يبحث في ملفات الدبلوماسية والسياسة الجادة والحياد، ناهيك بحقها في المساءلة وكشف طبيعة العلاقات بين الكورد والقوى الأخرى لتعزيز خطاب التهدئة عبر إظهار وتقديم أصوات قانونية وسياسية تميل إلى الحياد نوعاً ما عبر استخدامها لغة التوازن والانفتاح على الآخر.
أخيراً، إذا استمرت واشنطن في نهجها حول إطلاق اتهامات مباشرة للكورد حين خسارتها للورقة السياسية والعسكرية في ظل التصعيد الإقليمي الراهن، فهل سيكون الكورد قادرين على صون حضورهم في المعادلة السياسية وطرح استراتيجيات تقيهم من شرور الحرب ومخلفاتها؟ وهل ستبقى الصلة بين الكورد وواشنطن سارية على الوثوق كحلفاء حقيقيين، أم أنها ستكون أسيرة الاستثمار السياسي والتوظيف الجيوسياسي؟