صالح القره لوسي
لم تعد السياسة في العصر الحديث تُقاس بعدد المقاعد أو حجم النفوذ التنظيمي فقط، بل أصبحت تُقاس أيضًا بقدرة القوى السياسية على صناعة التأثير داخل الرأي العام، وإيصال رسائلها إلى الشارع بصورة واضحة وفاعلة. ومن هنا برز الإعلام السياسي بوصفه أحد أخطر أدوات المرحلة وأكثرها تأثيرًا في تشكيل الوعي الجماهيري وصناعة المزاج الشعبي.
فالإعلامي السياسي اليوم لم يعد ناقلًا للأخبار أو مروّجًا للمواقف فحسب، بل أصبح جزءًا أساسيًا من المعركة السياسية والفكرية. فهو الذي يفسّر الأحداث، ويقرب صورة المؤسسة أو الحزب إلى الناس، ويدافع عن القضايا المصيرية، ويمنح الجمهور شعورًا بالحضور والاطمئنان تجاه المشروع الذي ينتمي إليه. كما أن نجاح أي قوة سياسية في الحفاظ على جمهورها بات مرتبطًا بقدرتها على امتلاك خطاب إعلامي مؤثر، قادر على مخاطبة الناس بلغة واضحة قريبة من همومهم وتطلعاتهم.
وفي المقابل، فإن غياب الإعلام السياسي الفاعل يخلق فراغًا خطيرًا، يسمح للخصوم بملء المشهد وتوجيه الرأي العام وفق مصالحهم، خصوصًا في المدن المعقدة سياسيًا واجتماعيًا مثل بغداد، حيث تتداخل المشاريع والهويات والتوجهات بصورة مستمرة.
ومن هنا تبرز أهمية المناصب العليا في الدولة، لاسيما التشريعية منها التي يفترض أن تكون قريبة من الشارع وأكثر قدرة على التأثير السياسي والإعلامي. تلك المناصب ليست بروتوكولية فحسب، بل تعد مهمة لإيصال الرسائل السياسية، وطرح المبادرات، والدفاع عن القضايا الجماهيرية، وصناعة الحضور الإعلامي المطلوب.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل جرى استثمار تلك المناصب بالصورة التي تليق بحجم المسؤولية؟ وهل استطاع الشارع البغدادي أن يلمس خطابًا سياسيًا وإعلاميًا يعكس حجم الدور القومي والوطني المطلوب؟ إن المرحلة الحالية لا تحتاج إلى حضور إداري صامت بقدر ما تحتاج إلى مبادرات واضحة، ومواقف معلنة، وخطاب قادر على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم.
ولعل الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس نيجيرفان البارزاني إلى بغداد شكّلت فرصة سياسية وإعلامية مهمة لإبراز دور الحزب الديمقراطي الكوردستاني داخل العاصمة، والتأكيد على حضوره الوطني ومكانته السياسية في المعادلة العراقية. إلا أن السؤال الأهم يبقى: هل وصلت رسائل هذه الزيارة إلى الشارع البغدادي بالشكل المطلوب؟ وهل جرى استثمارها إعلاميًا لتعزيز صورة الحزب ودوره في بغداد؟
إن الجماهير لا تكتفي بوجود سياسي داخل المؤسسات، بل تبحث أيضًا عن خطاب يلامس واقعها، وإعلام يعبّر عنها، وحضور يشعرها بأن هناك من يدافع عن هويتها ومصالحها داخل العاصمة. ولهذا فإن المرحلة القادمة تفرض إعادة النظر بأهمية الإعلام السياسي، بوصفه جبهة لا تقل أهمية عن العمل التنظيمي والسياسي، بل ربما تتقدمه في كثير من الأحيان.
ففي زمن التحولات الكبرى، لم يعد الصمت يُفسَّر على أنه حكمة دائمًا، بل قد يُفهم أحيانًا على أنه غياب، والسياسة لا تعترف بالفراغ.