إسماعيل فتاح الترك… سيرة نحتت روح العراق في الحجر والبرونز

محمد علي محيي الدين

ولد إسماعيل فتاح الترك في البصرة عام 1934، ومنذ خطواته الأولى في دروب الفن كان كأنما يسير نحو قدرٍ يعرفه جيدًا؛ قدر أن يكون صانع ذاكرة بصرية لوطنٍ كامل. تخرّج في معهد الفنون الجميلة ببغداد قسم الرسم عام 1956، لكنه لم يكتفِ بسطح اللوحة، بل انجذب إلى العمق والكتلة، فأكمل دراسته في قسم النحت والفخار ليتخرج عام 1958، وكأن يديه كانتا تبحثان عن مادة أكثر صلابة لتقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
لم يطل الانتظار حتى أدركت المؤسسات الثقافية موهبته، فرُشّح لدراسة النحت والخزف في إيطاليا، حيث انفتح على مدارس الفن الأوروبي في روما، ونال الدبلوم العالي من أكاديمية الفنون عام 1962. هناك، لم يكن مجرد طالبٍ عابر، بل كان يحمل معه ذاكرة الشرق، ويعيد صياغتها بلغة عالمية، فغدت أعماله جسراً بين حضارتين، بين ما هو محلي وما هو إنساني شامل.
عاد إلى بغداد ليغرس ما تعلّمه في تربة وطنه، فعمل أكثر من ثلاثين عامًا أستاذًا في كلية الفنون الجميلة، وأسهم في تشكيل أجيال كاملة من فناني السبعينيات والثمانينيات، حتى بات تأثيره ممتدًا في ملامح الفن العراقي الحديث. لم يكن معلّمًا فحسب، بل كان موجّهًا وملهمًا، يرى في كل طالب مشروع فنان، ويزرع فيه الإيمان بالهوية والجمال.

امتدت تجربته الفنية عبر معارض عديدة أقامها في روما وبغداد وبيروت، وشارك في نشاطات جماعة بغداد وجمعية الفنانين التشكيليين، متنقلًا بين فضاءات العرض، حاملاً معه رؤيته الخاصة التي تمزج بين الأصالة والتجديد. وقد تُوّجت مسيرته بعدد من الجوائز، منها جائزة النحت في بغداد عام 1956، والجائزة الأولى في معرض الفنانين الأجانب في إيطاليا عام 1963، ثم جائزة الدولة للفنون الجميلة عام 1989، وهي اعترافات متتالية بقيمة منجزه الفني.
لكن الأثر الأعمق للترك لم يكن في القاعات المغلقة، بل في الفضاء العام، حيث جعل من بغداد معرضًا مفتوحًا لفنه، فانتشرت أعماله في شوارعها وساحاتها كأنها نبضٌ حيّ في جسد المدينة. هناك يقف تمثال الشاعر معروف الرصافي شامخًا، وتجاوره روح عبد المحسن الكاظمي، فيما يطل أبو نواس بملامحه العباسية، ويستعيد يحيى بن محمود الواسطي حضوره الفني في هيئة نحتية تنبض بالحياة. وفي فضاءات أخرى، تتجلّى جدارية الطب العربي القديم في مدينة الطب، ويبرز نصب دجلة والفرات في شارع حيفا بوصفه استعارة جمالية لروح العراق، كما يحتل تمثال الفارابي مكانه في حديقة الزوراء، إلى جانب جداريات برونزية وزخارف فنية زيّنت عمارة التأمين وواجهة وزارة الصناعة ودار الضيافة، فضلًا عن معالجة ملحمية لملحمة كلكامش، وكلها تشهد على قدرة الفنان في تحويل المادة إلى ذاكرة.
غير أن ذروة هذا الحضور تجسدت في «نصب الشهيد»، العمل الذي ارتقى فيه الفن إلى مستوى الرمز الوطني. يقف النصب في قلب بغداد كقصيدة حجرية، قبة مفتوحة تنشطر إلى نصفين متباعدين، في لعبة بصرية آسرة تجعل العابر يراها مغلقة ثم تنفتح تدريجيًا كأنها بوابة للغياب والحضور معًا. وفي عمق هذا التكوين، يرتفع العلم العراقي رمزًا لروح الشهيد الصاعدة، بينما يتدفق الماء إلى الداخل كأنما يستعيد حكاية الدم الذي لا يضيع. لم يكن النصب مجرد عمل معماري، بل تجربة شعورية متكاملة، استطاع فيها الترك أن يحوّل الفقد إلى جمال، والتضحية إلى ذاكرة خالدة.
ظلّ وفيًا لوطنه حتى لحظاته الأخيرة، يحمل حنينًا بسيطًا وصادقًا إلى بغداد وأصدقائه وأيامه القديمة. وبينما كان يصارع المرض، لم يفارقه حلم العودة، ولا رغبته في استعادة دفء الحياة الأولى. وبعد رحلة علاج في الإمارات، عاد إلى العراق، لكنه أسلم الروح عند وصوله إلى بغداد عام 2004، كأنما اختار أن تكون خاتمته في حضن المدينة التي أحبها ونحت ملامحها.
هكذا رحل إسماعيل فتاح الترك، تاركًا خلفه أكثر من أعمال فنية؛ ترك روحًا تسكن الحجر، وذاكرةً تمتد في وجدان مدينة بأكملها، وفنًا لا يُرى فقط، بل يُعاش.

قد يعجبك ايضا