ياسين الحديدي
في العراق اختلّت الموازين في ممارسة السياسة والإعلام في العراق، وابتعدت عن المفاهيم والقيم التي وُجدت من أجلها، حتى بات الانطباع السائد عنهما يحمل رمزية مغايرة لأصولهما الحقيقية. ففي السياسة أصبحنا نسمح للرداءة بأن تتحدث باسمنا ونتفاعل معها، وفي الإعلام كذلك، حيث تحوّل هذا الضيف الدائم إلى وسيلة فعّالة لتبرير أفعال سياسيين اختاروا أن يكونوا أوصياء على إرادتنا، ومتحدثين باسمنا، ومصرّين على تقديم أنفسهم بوصفهم البديل عنا، من خلال وصول قلة منهم إلى مواقع القرار، رغم أنهم لا يمثلون الجميع.
إنهم يعيشون معنا يوميًا عبر المقروء والمرئي والمسموع، حتى أصبح كثير منا مقتنعًا قناعة تامة بأن الجهل صار ضيفًا دائمًا، وأن التفاهة تحوّلت إلى حدث وطني. ولا خلاص من هذا الواقع إلا باعتراف مؤلم بحقيقة ما نعانيه من ضعف إمكانياتهم، ومن فائض أعذارهم في كل شيء.
فهم يبررون الفوضى السياسية والتأرجح وتغيير المواقف بحسب الحاجة تحت عنوان “الظروف”، ويبررون الرشوة والفساد والفاسدين، ويمارسون الكذب تحت مسمى “المجاملة”، والنفاق تحت اسم “السياسة”، حتى تحولت الرداءة والجهل إلى سلوك مستدام. وبهذا القاموس المهترئ وصلنا إلى هذا الخراب؛ لا بسببهم وحدهم، بل بسبب الذين منحُوهم التخويل وشهادات حسن السيرة والسلوك.
متى نتخلى عن كل هذا؟
حين نتوقف عن تمجيد من ينجح بلا استحقاق، وحين نكف عن اعتبار الأخلاق رفاهية، عندها فقط سنقتنع بأن احترام القانون ليس خدمة للدولة، بل حماية لنا من بعضنا البعض. وعندها أيضًا سندرك أن الوطن لا يحتاج إلى حنجرة أعلى صوتًا، بل إلى ضمير أقل قابلية للبيع.
أما إذا واصلنا السير في الطريق ذاته، فسنحصل على النتيجة نفسها: المزيد من دلالي السياسة، والأكثر صراخًا، واللصوص الذين يرتدون الأناقة ويتحدثون باسم الوطن وحب الوطن، فيما يبقى وطننا أكثر تعبًا، وكأنه قاعة انتظار كبرى؛ الجميع فيها يتحدث عن الإصلاح، لكن لا أحد يريد أن يبدأ بنفسه.