رمزي ميركاني
تمر العلاقة بين العراق والولايات المتحدة الأميركية بمرحلة جديدة وحرجة، أعقبت المواجهات التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي استمرت أربعين يوماً. وتتسم المرحلة الحالية -خاصة بعد تشكيل الحكومة الجديدة في بغداد- بسياسة “الثواب والعقاب”؛ إذ يبدو أن واشنطن، وتحديداً إدارة الرئيس ترامب، لن تتهاون مع الحكومة الجديدة، لا سيما بعد مشاركة بعض الفصائل المسلحة الموالية لإيران في الصراع الأخير واستهدافها لمصالح أمريكية في بغداد وأربيل وعموم المنطقة.
تمثل رد الفعل الأول لواشنطن في تعليق شحنات الدولار المخصصة للعراق من عائدات بيع النفط المودعة في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. جاءت هذه الخطوة كرسالة تحذير وعقوبة للفصائل المسلحة، وإنذاراً للحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، مفادها أن أي تحركات عدائية ستقابل بعقوبات صارمة. وبالفعل، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على شخصيات ومؤسسات مرتبطة بدعم إيران اقتصادياً، كما رصدت واشنطن مكافآت مالية مجزية تصل إلى 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات مفيدة عن تحركات وأماكن إقامة قيادات في “الحشد الشعبي”، أمثال أحمد الحميداوي، وأبو آلاء الولائي، وحيدر الغراوي، وكان أخرهم أكرم الكعبي.
من جانبهم، ينفي المسؤولون العراقيون الأنباء المتداولة بشأن إيقاف تدفق الدولار، واصفين إياها بالإشاعات العارية عن الصحة، ومؤكدين وجود اتفاقات مسبقة تضمن استمرار التمويل. ويرى هؤلاء أن التجاذبات السياسية لن تصل إلى حد قطع الإمدادات المالية أو إيقاف عجلة الاقتصاد العراقي بشكل كامل. في المقابل، صرح مسؤولون أميركيون بأن شحنات الدولار توقفت لفترة وجيزة قبل أن تُستأنف، وكان الهدف من هذا الإجراء هو التحقق من التزام الحكومة الجديدة بمنع وصول العملة الصعبة لتمويل هجمات ضد الأميركيين أو تهريبها إلى إيران. ومن المعروف أن هذه الشحنات تمثل الشريان الرئيسي للسيولة في السوق العراقية، كون العائدات النفطية تودع مباشرة في حساب مصرفي خاص في نيويورك.
وفي سياق متصل، أكدت واشنطن أنها لن تسمح للميليشيات المدعومة إيرانياً بتهديد الأرواح أو المصالح الأمريكية، حيث دعا المتحدث باسم الخارجية الأميركية، تومي بيوت، بغداد إلى تفكيك الجماعات المرتبطة بإيران. وتزامن ذلك مع إصدار السفارة الأميركية تحذيراً من السفر إلى العراق من “المستوى الرابع”. وعلى الرغم من إعلان بعض الفصائل نيتها إلقاء السلاح والانخراط في العملية السياسية، ودعوة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لدمج الفصائل تحت مسمى “جند الشعائر الدينية”، إلا أن واشنطن لا تبدو مقتنعة بهذا الطرح؛ فرسالتها لبغداد واضحة: “يجب على العراق فك الارتباط بتبعية إيران”.
إن إيجاد بدائل وحلول اقتصادية يتطلب بالضرورة علاقة جيدة مع الجانب الأميركي، لكونه المسؤول عن تدفق العملة الصعبة. وأي تعثر في هذه العلاقة سيضر بمصالح البلاد وبالمواطن العراقي بشكل مباشر، خاصة في ظل التحديات المالية التي أعقبت الأحداث الأخيرة. لذا، فإن تطوير العلاقة مع واشنطن يمثل ضرورة قصوى للحكومة العراقية، التي يجب أن تفتح مساحة كافية للتفاوض وتقديم بدائل اقتصادية تجنب العراق الدخول في خصومات سياسية مستقبلية، خاصة وأن الاقتصاد العراقي رهينٌ بريع النفط المودع في واشنطن، والذي يخضع استخدامه للموافقة الأميركية.
ختاماً، إن الوضع المالي للعراق لا يحتمل فرض عقوبات اقتصادية جديدة؛ لأن نشوب خلاف كبير سيضر بالمصالح العليا للبلاد. تفرض المصلحة الوطنية على جميع الكتل والقادة السياسيين العمل بعقلانية، وفتح قنوات حوار سياسي مع الجانب الأميركي ودول الجوار كتركيا وإيران، لتجاوز الأزمة المالية الخانقة ووضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار.