الباحث الحقوقي ره نج باراوی
ما وراء الذاكرة الجريحة، لا تزال “اتفاقية الجزائر” التي وُقعت في مارس( 1975 ) تمثل في الوعي الجمعي الكوردي لحظة “الخذلان الكبير”، حيث ضحّت القوى الإقليمية بالحقوق الكوردية على مذبح المصالح الضيقة. ولكن، في فقه السياسة المعاصرة، الشعوب الحية هي التي تحوّل انكساراتها إلى روافع للنهوض. إن إقليم كوردستان اليوم، بكيانه الدستوري وثقله الاقتصادي، لم يعد ذاك الطرف الذي يُمكن تجاوزه، بل هو رقم صعب في معادلة الشرق الأوسط، ومن هنا تنبع ضرورة إعادة قراءة العلاقة مع الجزائر ليس كـ “خصم تاريخي”، بل كـ “فرصة جيوسياسية” معطلة.لابد ومن الضروري بقراءة معاصرة ٲن ننظر الی بناء العلاقة بین البلدین من زاویة مجهولة لكي نستطیع ٲن نكسب علاقات الدبلوماسیة مع الجزائر بشكل یلیق بتاریخ اقلیم كوردستان،اذن سٲسمح لنفسي بٲن ٲتطرق ٳلی التركیز علی:
أولاً: البعد السياسي – من “كارت ضغط” إلى “نقطة ارتكاز”
لطالما نُظر إلى الجزائر باعتبارها الدولة التي احتضنت وأشرفت على إنهاء الثورة الكوردية في السبعينيات. إلا أن المتغيرات الدولية تفرض علينا قلب الطاولة ویستوجب علینا بحفاوة الصدر ان نقوم بصناعة العلاقات مع دولة الجزائر عن طریق:
-تصحيح المسار الدبلوماسي: يجب على الدبلوماسية الكوردية الرسمية (عبر دائرة العلاقات الخارجية) والمنظمات المدنية، العمل على إقناع صانع القرار الجزائري بأن دعم استقرار كوردستان هو دعم لاستقرار المنطقة العربية برمتها. إن الجزائر، التي تؤمن بمبدأ “تقرير المصير” في أدبياتها السياسية، يمكن أن تكون المحامِي الأقوى لتجربة الفيدرالية الكوردية في المحافل الدولية.
-الجزائر كوسيط أفريقي: تمتلك الجزائر دالة نافذة في الاتحاد الأفريقي. إن نجاح الإقليم في كسب ود الجزائر يعني تأمين “مفتاح” لدخول القارة السمراء، وتحويل الموقف الجزائري من موقف “الحياد السلبي” أو “الرفض” إلى موقف “الشريك المتفهم”، وهو ما سيشكل أداة ضغط هائلة على الخصوم الإقليميين الذين يخشون تدويل القضية الكوردية في أفريقيا.
ثانياً: التحالف الطاقوي والاقتصادي – لغة الأرقام والمصالح
يعيش العالم اليوم أزمة طاقة خانقة، تُعد الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية واحدة من أهم القوى الإقليمية في شمال أفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، وتتميز بتاريخ قانوني وسياسي ثري، لا سيما في مجالات الإصلاح الإداري والقانون الجنائي ، تبرز وهنا الجزائر وكوردستان كلاعبين أساسيين في سوق الغاز والنفط.واذا تتطرقنا بالعقلانیة واللغة الاقتصادیة والدبلوماسیة فنحن بٱشد الحاجة ٲلی:
-تأسيس “منتدى الطاقة المشترك”: بدلاً من التنافس على الأسواق، يمكن للإقليم والجزائر (عبر شركة سوناطراك ووزارة الثروات الطبيعية) تبادل الخبرات التكنولوجية في استخراج وتسييل الغاز. هذا التعاون سيخلق “لوبي طاقة” مصغر يمنح الطرفين قدرة أكبر على التفاوض مع المستهلك الأوروبي.
-بناء “الطريق التجاري الأفرو-كوردستاني”: الجزائر هي البوابة الاقتصادية لشمال وغرب أفريقيا. إن استثمار رؤوس الأموال الكردية في مشاريع زراعية أو صناعية بالجزائر، وبالعكس، سيؤدي إلى تداخل المصالح بشكل يجعل من الصعب على أي حكومة جزائرية مستقبلاً اتخاذ مواقف معادية للإقليم. الاقتصاد هنا يعمل كـ “درع واقي” للسياسة.
ثالثاً: الجسر الأكاديمي والمعرفي – صناعة “القوة الناعمة”
بناء اللوبي لا يتم في ردهات السياسة فقط، بل في قاعات الجامعات ومراكز البحوث وعقد اتفاقات التوٲمة مع الجامعات الجزائریة وٱطلاق الزمالة الراحل الامیر عبدالقادر والٱب الروحی الخالد البارزاني لتبادل الثقافة العلمیة والتاریخیة غیر المقروءة بین البلدین وٲن یكون خطوة حكومة ٱلاقلیم المقبلة وتوجه المسار الاكادیمی لوزارة التعلیم العالي والبحث العلمي ٳلی:
-مشروع “ذاكرة التحرر”: الجزائر تُلقب بـ “بلد المليون شهيد”، والكرد شعب قدم تضحيات لا تحصى من أجل الحرية. إن إقامة مراكز بحوث مشتركة تدرس “سيكولوجية التحرر” بين الشعبين ستخلق رابطاً وجدانياً يتجاوز الخلافات السياسية العابرة.وعلی وجه الخصوص لدیهم رمز وطني وتٲریخي مثل ٱلامیر عبالقادر له و بصمة تاریخیة في بناء دولة الجزائر.
-التبادل الطلابي الاستراتيجي: عندما يتعلم الطالب الجزائري في جامعات أربيل والسليمانية، والطالب الكردي في جامعة الجزائر، فإننا نصنع “سفراء شعبيين”. هؤلاء هم من سيقودون الإعلام ومراكز الفكر مستقبلاً، وسيكونون حائط الصد الأول ضد أي تشويه للقضية الكردية في المغرب العربي.
رابعاً: استراتيجية “اللوبي” في أفريقيا ومواجهة العزلة
تمثل القارة الأفريقية بكتلتها التصويتية (54 دولة) قوة لا يستهان بها في الأمم المتحدة علما ٱن الجزائر من الدول العریقة والقویة تٲریخیا وحالیا ونستطیع عن طریق اللوبي ٱن تقوم الحكومة الكوردیة ب:
-تدويل ملفات الجينوسايد: من خلال الجزائر وتونس، يمكن للإقليم إيصال ملفات “الأنفال” و”حلبجة” إلى المنظمات الحقوقية الأفريقية، ليس كقضية كوردية فحسب، بل كقضية ضمير إنساني عالمي. هذا الضغط الأخلاقي سيجبر المجتمع الدولي على احترام خصوصية الكيان الكوردي وبالاخص ان اقلیم كوردستان العراق ٲقلیم دستوری ولها ثقل دبلوماسی فی العالم علی وجه الصعید ٱلاوروبي والشرقي في قارة ٱسیا وٲوروبا وحتی ٱمریكا .
-السياحة والاستثمار الإعلامي: يجب استهداف العقل الجمعي المغاربي (تونس، الجزائر، ليبيا،المغرب العربي وموریتانیا) عبر حملات إعلامية مدروسة تبرز وجه كوردستان المتسامح والآمن، مما يجعل من الإقليم وجهة مفضلة للنخب الأفريقية، وبالتالي كسر طوق العزلة الذي تحاول بعض القوى الإقليمية فرضه.
ٲن خارطة الطريق من تونس إلى الجزائر لیست بصعوبة ولكن یحتاج الی الدقة وٲختیار الاشخاص من اقلیم كوردستان من المنظمات المجتمع المدني ممن لدیهم علاقات ودیة مع المؤسسات الدولة المذكورة.إن الانطلاق نحو هذا الأفق الاستراتيجي يجب أن يبدأ بخطوات عملية، تبدأ بـ تونس كبوابة دبلوماسية مرنة ومنفتحة، ومنها يتم التمدد نحو العمق الجزائري والليبي.
التوصيات الختامية كباحث حقوقي وكناشط المجتمع المدني والدولي ورحال وصاحب العلاقات مع الشخصیات الدبلوماسیةوالقیادیة والمؤسساتیة في دول المغارب العربي (الجزائر،تونس،لیبیا) ٲوصي حكومة ٲقلیم كوردستان بٱن تعمل :
*تفعيل دور “منظمات المجتمع المدني” الكردية لفتح قنوات اتصال مع نظيراتها في المغرب العربي.
*تطوير خطاب دبلوماسي كردي يتحدث لغة “المصالح المشتركة” وليس لغة “المظلومية” فقط.
*استخدام الجزائر كـ “كارت ضغط” إقليمي عبر التلويح بتحالفات اقتصادية وطاقوية كبرى تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
رسالتي لدوائرنا الخارجية: لا تذهبوا إلى الجزائر بملفات “المظلومية” فقط، بل اذهبوا بملفات “الشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني”. الجزائر تبحث عن حلفاء مستقرين في الشرق الأوسط، وكردستان هي النموذج الأمثل.من الواضح اتفاقية 1975 كانت نهاية فصل مؤلم، لكن الدبلوماسية الذكية يمكنها أن تجعل من 2026 بداية لفصل جديد، تكون فيه الجزائر هي “الحليف الاقتصادي” و”الغطاء السياسي” لكوردستان في القارة الأفريقية.وٲستطیع القول في الختام بٱن تونس هي المبتدأ.. والجزائر هي الخبر..إن بناء قوة دبلوماسية في المغرب العربي(المغارب العربي) يتطلب البدء من تونس، التي تمثل نقطة توازن دستوري وأفريقي فريدة. تونس هي “الباب” الذي يجب أن نطرقه أولاً، ومن ثم الانطلاق بخطط مدروسة عبر دائرة العلاقات الخارجية للإقليم، وبالتعاون الوثيق مع منظمات المجتمع المدني والشخصيات الكوردية التي تمتلك ثقلاً في دول (تونس، الجزائر، وليبيا).