الباحث الحقوقي رنج باراوي*
في فلسفة الحكم المعاصر، لا تُعد المواطنة مجرد هوية رسمية، بل هي عقد مقدس يُلزم الدولة بحماية كرامة الإنسان. والجزائر، بلد “المليون ونصف المليون شهيد”، استطاعت تقديم نموذج فريد تجتمع فيه الثروات الطبيعية، والتنظيم الإداري، والنصوص القانونية في نقطة واحدة: “لا يجوز أن تُهدر كرامة المواطن في ظل الدولة.” ٲو یتطلب الامر الصمود ٲمام وضع یهین كرامتهم وان یخیرونهم بین الكرامة والقوت.
بالنسبة لنا في إقليم كوردستان، لا يمثل هذا الموضوع مجرد قراءة نظرية، بل هو استحضار لذاكرة تاريخية؛ ففي سبعينيات القرن الماضي، شارك أساتذتنا وخبراؤنا العراقيون والكورد في بناء الصروح العلمية للجزائر الناشئة، واليوم حان الوقت لنتعلم نحن درساً في صون الكرامة من واقع قوانينهم وخصوصا نتشابه مع الجزائر في ملكیة الثروات الطبیعیة في اقلیم كوردستان العراق.لذلك یستوجب علینا ان نتطرق ٳلی ما تجسد كرامة المواطنین في دولة الجزائر وكیف عملت الدرع لحمایة كرامة مواطنیه في اكثر من 35 ولایة ،تطبق القانون من العاصمة ٳلی ٲقصی الجزائر.
أولاً: قمة الهرم القانوني: الكرامة في الدستور
في الجزائر، تُعد الكرامة الإنسانية حجر الزاوية لكل القوانين. ينص دستور 2020 في المادة 34 صراحةً على أن: “تضمن الدولة حماية كرامة الإنسان وحرمة حياته الخاصة.” هذا الالتزام الدستوري جعل من الصعب على أي قانون أو قرار إداري أن ينال من قدر الفرد، وٲن الفرد في المجتمع الجزائري له ٲستحقاقات دستوریة والكرامة لیست شعار ٲن یكون قابل للمساومة.
ثانياً: المنظومات الخدمية وتجسيد الكرامة، بالنسبة للحكومة الجزائرية، الكرامة، ليست مجرد شعار، بل هي مزيج من توفير الحقوق المادية (سكن، شغل، غذاء) والحماية القانونية ضد التعسف، مع الحفاظ على السيادة الوطنية كإطار عام لهذه الكرامة تتجلى الكرامة في الجزائر من خلال ثلاثة قطاعات حيوية ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن:
۱.مجانية التعليم (المادة 65): وفقاً لـ القانون التوجيهي للتربية الوطنية (رقم 08-04)، التعليم حق مجاني ومكفول. لا تكتفي الدولة بعدم تحصيل الرسوم، بل تدعم التلميذ (الكتب، الإطعام، والنقل) لضمان المساواة بين ابن الفقير وابن الغني، صوناً لكرامة الطفل في رحلته العلمية وهذا ماجعل المواطنین في الجزائر یشعرون بٱنهم مواطنین بمعني المواطنة العلمیة والدولة تتكفل ٲلتزاماتهم المادیة ولاتصعب علیهم الظروف..
۲.التأمين الصحي الشامل (المادة 66): هذا هو الإنجاز الأكبر للجزائر. فمن خلال قانون الصحة (رقم 18-11) ومنظومة الضمان الاجتماعي، يمتلك المواطن “بطاقة الشفاء”. هذه البطاقة الذكية تتيح للمواطن الحصول على الدواء والعلاج دون مقابل (خاصة للأمراض المزمنة)، حيث تُسخر الدولة عائدات الثروات الطبيعية (النفط والغاز) لتغطية تكاليف المستشفيات، مما يرفع عن كاهل المواطن ذل الحاجة في وقت المرض.وبطاقة الشفاء الاكترونیة تعد ثورة تقنية في الإدارة الجزائرية، حيث تسمح للمؤمن لهم اجتماعياً بالحصول على الأدوية من الصيدليات الخاصة بنظام “الدفع من قبل الغير” (أي أن الصندوق يدفع للصيدلي مباشرة).
علاوة علی ذلك تغطي البطاقة نسبة 80% من ثمن الدواء عادة، وتصل إلى 100% لأصحاب الأمراض المزمنة والمتقاعدين.
بعد التٲمین الصحي الحق في السكن (المادة 67) تلتزم الدولة بتيسير الحصول على السكن للفئات المحرومة. ويتجسد ذلك في المشاريع الوطنية الكبرى مثل سكنات (AADL)، حيث يصبح المواطن مالكاً لسكن لائق بتمويل ميسر، وهو أساس الاستقرار الأسري والكرامة المعيشية.
من القوانين الرائدة في المنطقة هو المرسوم الرئاسي (رقم 22-70) المتعلق بمنحة البطالة. تؤمن الجزائر بأن البطالة لا يجب أن تكون سبباً لإهانة الشباب، لذا خُصصت منحة مالية شهرية “كصون للكرامة” لحين إيجاد فرصة عمل مناسبة. هذا الالتزام جعل ولاء المواطن للدولة يزداد، لإدراكه بأن القانون يسنده في وقت الشدة.وهذا من شٱنه رفع من الشعور المعنوي لشریحة الشباب ویبعدهم عن خیانة الوطن والانخراط في الخلايا الإرهابية .بما معنی الصحة والتعلیم والسكن وفرص العمل رباعي دستوري مصون لكرامة المواطنین.
من المعروف ٲن التنظيم الإداري لـ( 58) ولاية استطاعت الجزائر عبر قانون الولاية (رقم 12-07) تحقيق العدالة بين الأقاليم بدون ٱي تعطیل. فالوالي (المحافظ) ملزم بتنفيذ السياسات الوطنية في التأمين والتعليم والسكن بالتساوي عبر كافة الولايات. هذا النظام اللامركزي جعل المواطن في أقصى نقاط الصحراء يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها المواطن في قلب العاصمة. ویمكن عن طریق الاستنباط من الاستنتاج والدروس المستفادة لإقليم كوردستان ٲن نعبرمن المرحلة الإنتقالية لشعار الكرامة ٳلی المرحلة الحقیقیة الفعلیة لصون كرامة المواطنین في ٲقلیم كوردستان .
تؤكد التجربة الجزائرية أن “الكرامة” تُصان عندما يصبح القانون خادماً للمواطن. ولتحويل هذه التجربة إلى إقليم كوردستان، نحتاج إلى خطوات عملية:
-تحويل عائدات الثروات الطبيعية إلى خدمات “مؤمنة” ومؤسساتية بدلاً من الاقتصار على الرواتب فقط.
-تشريع قانون مشابه لـ “بطاقة الشفاء” لجعل العلاج حقاً مجانياً ومكفولاً للجميع وتقلیل البطالة المنتشرة بین الشباب.
-التعلیم المجاني للجمیع وٲلغاء نظام (بارالیل) وبالتحدید علی مستوی التعلیم الجامعي.
*رئیس معهد الاصلاح الجنائي كوردستان العراق
الهوامش والمصادر القانونية:
*دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لعام 2020: لا سيما المواد (34، 64، 65، 66، 67، 68، 70) المتعلقة بالحقوق والحريات وكرامة الإنسان.
*القانون رقم 18-11 المتعلق بالصحة: الذي يضمن مجانية العلاج ومنظومة التأمين.
*القانون رقم 08-04 المتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية: المنظم لمجانية وإلزامية التعليم.
*القانون رقم 83-11 المتعلق بالتأمينات الاجتماعية: الذي يدير صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي (CNAS).
*القانون رقم 12-07 المتعلق بالولاية: الإطار الإداري لتوزيع الخدمات عبر الـ 58 ولاية.
*المرسوم الرئاسي رقم 22-70: المتعلق بتنظيم منحة البطالة للشباب.
*قانون العقوبات الجزائري: في نصوصه التي تحمي المواطن من أي تعسف أو إهانة من قبل الإدارة.