الاشمئزاز: حارسُ البقاءِ وجهازُ الإنذارِ النفسي

عزيز ملا هذال

إنَّ الاشمئزازَ ليس مجردَ انفعالٍ عابر، بل هوالبوصلةُ السياديةُ للنفسِ البشرية؛ فهو الحارسُاليقظُ الذي أودعهُ الخالقُ في فطرتِنا ليحميَ بقاءَناالماديَّ من التلوث، ونقاءَنا الأخلاقيَّ من الانحدار،محولاً النفورَ الفطريَّ إلى درعٍ حصينٍ يصونُ كرامةَالإنسانِ وذائقتَهُ في عالمٍ يغصُّ بالمثيراتِ المشوهة

يتعامل الإنسان مع بيئته وفق قاعدة المثيروالاستجابة النفسية، فحين يثار الإنسان سواءبالسلب أو بالإيجاب المنطقي أن يستجيب لهذهالاستثارة، على سبيل المثال أننا حين نعطش نبحثعن الماء لنشربه لإشباع هذه الحاجة، وهكذا تقومالحياة وتستمر، ومن ضمن الاستجابات الإنسانيةهي الاستجابة السلبية التي تعرف بالاشمئزاز، فماهو الاشمئزاز وما هي دوافعه؟، وما هي آليتهوطريقة عمله؟

يعرف الاشمئزاز على أنه شعور سلبي قوي ينشأعندما يواجه الشخص شيئاً يراه بغيضاً أو مقززاً أومثيراً للاشمئزاز. ويعرف أيضاً على أنه شعوربالنفور أو الكراهية الشديدة تجاه شيء ما، وهو أمرفطري يهدف إلى حماية الشخص من المواد أوالمواقف الضارة المحتملة.

من الواقع: جميعنا ربما جرب السير في أحد الأزقةفتسربت إلى أنفه رائحة كريهة لمكان فيه بقايا طعامأو مخلفات مواد أخرى، مما يجعله يشمئز من هذهالرائحة فيغير طريقه إلى طريق آخر أو يحاول غلقأنفه ليتخطى مكان انبعاث الرائحة، وهذا السلوك هوسلوك حماية وتجنب لأضرار ما تسببت بالاشمئزازللإنسان.

ما هي وظيفة الاشمئزاز؟ وظيفة الاشمئزاز هيمساعدة الإنسان على تجنب المواد أو المواقف التيقد تكون ضارة أو ملوثة وبالتالي تكون مؤذية له وهيبمثابة صافرة إنذار تنبهه للابتعاد عن خطر أو أذىقريب منه، إذ أن الاشمئزاز الطبيعي هو إحدىالهدايا الثمينة التي وهبها الله للبشر لكي يحمواأنفسهم من بعض الأخطار المحيطة. وفي العادةتكون الاستجابة على شكل استجابة جسدية مثل ألمفي الرأس والتقيؤ حرقة في العينين وما شابه، أماالاستجابة النفسية فتتمثل بمغادرة المكان المثيرللاستجابة ومحاولة تجنبه وعدم الوصول إليه مرةأخرى، وإظهار علامات الرفض سلوكياً وجسدياً فيمحاولة لإعلامهم بأنه رافض لمثل هذه المواقف.

ما هي ضروب الاشمئزاز؟ ليس الروائح والمناظرالمزعجة هي من تتسبب بالاشمئزاز للإنسان بلحتى المواقف والكلام، فقد يحدث أننا حين نسمعكلام غيبة أو طعناً بأعراض أو وصف بعض الناسبأوصاف غير لائقة تتسبب بأشمئزاز لدى الإنسانصاحب الضمير والإنسانية والدين والذي يعي أن مايحصل هو انتهاك للقيم الإنسانية وقتل لفطرةالإنسان.

ويحدث الاشمئزاز لدى الإنسان في موضوعالأطعمة والأشربة، إذ يكون له دور في حماية الكائنالحي من تناول الأطعمة المحتمل احتواؤها على موادضارة وبذلك يقلل من فرص الإصابة بالأمراض التيتتعلق بالمعدة أو التي يكون لها آثار جانبية مضرةعلى صحة الجسد، فحين يشمئز الإنسان حتماً أنهسيكف عن الفعل وبالتالي يقي نفسه من الأضرار.

وقد يصاب الأشخاص الذاوقون للأصوات بهذاالشعور بسماع النشاز الناتج عن عدم تناغمالأصوات، فحين تسمع صوتاً عالياً أو كلمات غيرمتناسقة من حيث الوزن والقافية أو عدم ملاءمتهاللمناسبة أو لذوق السامع فإنه سيشمئز من تلكالأصوات وبالتالي يبتعد عن سماعها حماية لحواسهولذائقته ولنفسيته على اعتبار أنه سيؤثر عليهابالدرجة الثانية.

كما من صور الاشمئزاز هو ما يحدث بالنسبة للذينلديهم رهاب الحشرات، فقد أثبتت الأبحاث مراراًوتكراراً وجود علاقة بين الاشمئزاز واضطرابات القلقمثل رهاب العناكب ورهاب الإصابة أثناء الحقنوالوسواس القهري المرتبط بالخوف من التلوث، فقديعمل الخوف من التلوث عن طريق الحشرات أوالفضلات المهملة أو التعفن بجميع أنواعه على إثارةالاشمئزاز.

وقد يشمئز الإنسان لمجرد سماعه لروايات مواقف أوحالات تدعو إلى الاشمئزاز عبر استحضاره لهذهالمواقف وتخيلها ذهنياً وبالتالي يشمئز منها ممايجعله يحاول الابتعاد عن الوقوع في تلك المواقف،وفي الختام كل ضروب الاشمئزاز هي منبهات له لأنيبتعد عن أذى قد يلحق به فعليه التعامل الحذر معالموقف. في الخلاصة: يتضح لنا أن الاشمئزاز ليسمجرد انفعال عابر أو شعور سلبي مزعج، بل هوحارس يقظ ونظام دفاعي متطور أودعه الله فيالنفس البشرية. هو البوصلة التي توجهنا للابتعادعن كل ما يهدد بقاءنا المادي أو يلوث نقاءناالأخلاقي والذوقي، وإن فهمنا لآلية الاشمئزازيجعلنا ندرك قيمة هذه الاستجابة الفطرية، ليسكقيود على حواسنا، بل كدرع حصين يقينا الأذىويحفظ لنا توازننا في عالم مليء بالمثيراتالمتناقضة.

قد يعجبك ايضا