صحيفة “التآخي” (1967-1968): القلم في مواجهة الاستبداد وصوت العدالة العابر للحدود

أ.د.خليل مصطفى عثمان

في قلب التحولات العاصفة التي شهدها العراق بين عامي 1967 و1968، برزت صحيفة “التآخي” كظاهرة إعلامية فريدة تجاوزت في تأثيرها ومحتواها كونها مجرد لسان حال للحزب الديمقراطي الكوردستاني، لتتحول إلى منبر وطني عابر للقوميات، ومختبرٍ للأفكار التي ناهضت الحكم العسكري ودافعت عن الهوية الديمقراطية للدولة. لقد أدركت “التآخي” منذ صدورها أن الأزمة العراقية ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي أزمة غياب للمنهج الديمقراطي، لذا انبرت في مقالاتها لترسيخ قيم الحرية الفكرية، معتبرة أن أي تحول سياسي يرتكز على القوة العسكرية هو تحول محكوم بالفشل، وهو ما جعلها في صدام مستمر مع نزعات الدكتاتورية وفكرة “الحزب الواحد” التي كانت تهيمن على مخيلة الأنظمة الشمولية آنذاك. فقد وصفت بذكاء وصراحة سياسات السلطة بأنها محاولات قسرية لـ “صهر الأفكار” وتدجين العقل العراقي، مؤكدة أن قوة الدولة تكمن في تنوع أفكارها لا في قمعها، وأن احتكار السلطة هو الممهد الأول للفساد السياسي والاجتماعي.
هذا العمق الفكري ترجمته الصحيفة إلى مواقف سياسية صلبة ومطالبات مستمرة بالعودة للحياة البرلمانية، مشددة على أن صناديق الاقتراع هي المصدر الوحيد للشرعية. ولم تنفصل رؤية “التآخي” للداخل عن نظرتها للسيادة الوطنية؛ فقد خاضت معارك فكرية شرسة ضد الاستعمار الأجنبي وتصدت لاحتكار شركات النفط للثروات الوطنية، معتبرة أن الاستقلال السياسي يبقى منقوصاً ما لم يكتمل بالسيطرة الوطنية الكاملة على الموارد. ومن هذا المنطلق، نادت بضرورة رص الصفوف وإقامة “جبهات توحيدية” تضم كافة القوى الوطنية والديمقراطية للوقوف سداً منيعاً ضد التفرد بالحكم، مؤكدة أن العمل الجبهوي هو الوسيلة الأرقى لتجاوز الخلافات الثانوية في سبيل الأهداف الوطنية العليا، وحماية البلاد من التبعية الاقتصادية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، لامست “التآخي” هموم الإنسان العراقي البسيط بوعي لافت؛ فجعلت من قضايا الفقر والتعليم والخدمات العامة مادة يومية لنقد السياسات الحكومية القاصرة. طالبت الصحيفة بتطوير النظام التعليمي وتعميمه كحق أصيل، وانتقدت تردي الخدمات الصحية، معتبرة أن كرامة المواطن تبدأ من توفير العيش الرغيد والعدالة في توزيع الثروة. كما تبنت رؤية حقوقية شاملة دافعت من خلالها عن السجناء السياسيين من كافة الانتماءات، ورفعت صوتها ضد القوانين التي تكرس المركزية المقيتة، داعية إلى “لامركزية” حقيقية تعزز الوحدة الوطنية القائمة على التنوع وتمكين المحافظات، لا تقسيمها وفق اعتبارات مصلحية ضيقة.
أما البعد الإنساني والأممي في خطاب الصحيفة، فقد تجاوز الحدود الجغرافية للعراق ليصوغ موقفاً تضامنياً مع القضايا العادلة حول العالم. كانت القضية الفلسطينية بوصلة دائمة لضميرها، حيث ناصرت الحق الفلسطيني ونددت ،تماماً كما واكبت باعتزاز كفاح الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، معتبرة الثورة الجزائرية منارة لكل الشعوب الطامحة للتحرر. هذا النفس الإنساني الواسع، الممزوج بالتزام مهني رفع شعار “الصحافة رسالة لا تجارة”، هو ما عرض الصحيفة لمضايقات أمنية مستمرة وحجب متكرر، وصولاً إلى إيقافها في عام 1968 بعد نقدها لتعديلات الدستور المؤقت. إن تاريخ “التآخي” في تلك الحقبة يبقى شهادة حية على أن الصحافة عندما تمتلك رؤية فكرية والتزاماً وطنياً، تتحول من مجرد “ورق مطبوع” إلى مؤسسة قادرة على هز عروش الاستبداد ومقارعة البندقية بالقلم.

قد يعجبك ايضا