حين يُدار الوطن بمنطق الصفقات

نبيل عبد الأمير الربيعي

في الجغرافيا التي أثقلتها الحروب، وأرهقتها التحولات، لا تبدو السياسة بوصفها فن إدارة الممكن، بل كحرفة لإعادة تدوير الأزمات وصياغتها في قوالب جديدة. هناك، حيث تحاك القرارات في العتمة، وتمرر الخيارات عبر قنوات ضيقة لا يصلها صوت الناس، تتشكل ملامح ما يمكن تسميته بـ(جمهورية التسويات)؛ تلك الجمهورية التي لا تستند إلى مشروع وطني جامع، ولا إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، بل تقوم على توازنات هشة، وصفقات مؤقتة، سرعان ما تتآكل عند أول اختبار.
في هذا السياق، لا تأتي السلطة نتيجة استحقاق سياسي أو تنافس ديمقراطي ناضج، بل كحصيلة مخاض عسير من الصراع بين (الأخوة الأعداء)، أولئك الذين يختلفون علناً ويتفقون سراً على تقاسم الغنائم. ومن رحم هذا التناقض يولد (رئيس وزراء التسوية)، لا بوصفه خياراً وطنياً جامعاً، بل باعتباره المرشح الأقل إثارة للخلاف، والأكثر قابليةً للاحتواء. إنه ابن اللحظة الحرجة، الذي يستدعى عند انسداد الأفق، فيقدم كحل وسط، لا لأنه يملك مشروعاً، بل لأنه لا يمتلك ما يزعج الأطراف المتنازعة.
هذا النموذج من القيادة لا يطلب منه أن يغير، بل أن يدير التوازنات، وأن يؤجل الانفجار لا أن يمنعه. برنامجه الفعلي ليس سوى صمت محسوب، حيث تتحول الحكومة إلى جهاز لإدارة الوقت، لا لإنتاج الحلول. وهكذا، تختزل الدولة في وظيفة إجرائية، تعنى بإبقاء النظام قائماً، مهما كان معطوباً، بدلاً من إصلاحه أو إعادة بنائه.
أما البنية الحكومية في (جمهورية التسويات)، فهي أقرب إلى خليط غير متجانس، توزع فيه الوزارات وفق مبدأ الحصص لا الكفاءة، وتدار المؤسسات بمنطق الولاءات لا المهنية. تتحول المناصب إلى امتيازات، والحقائب إلى أوراق تفاوض، ويغدو تشكيل الحكومة عملية حسابية دقيقة، لا علاقة لها بحاجات الناس أو أولويات الدولة. إنها (محاصصة) مغلفة بشعارات التوافق، لكنها في جوهرها إعادة إنتاج للانقسام، وترسيخ له في بنية النظام السياسي.
وفي ظل هذا الواقع، لا يكون الحصاد إلا انعكاساً لطبيعة المنهج: صور تذكارية تلتقط عند كل اتفاق، بيانات شجب واستنكار تصدر عند كل أزمة، وتسويات مؤقتة تُعقد لاحتواء التوترات، لكنها لا تعالج جذورها. تبدو الدولة وكأنها تدور في حلقة مفرغة، حيث تدار الأزمات بدلا من حلها، وترحل المشكلات من مرحلة إلى أخرى، دون أن تجد طريقها إلى معالجة حقيقية.
إن (حكومة التسوية) ليست فريق عمل يسعى إلى إنقاذ وطن، بقدر ما هي سوق مفتوح للمقايضات: وزارة مقابل دعم، ومنصب مقابل صمت، وقرار مقابل صفقة. وفي خضم هذه المعادلات، يتوارى الوطن إلى الهامش، ويختزل في كونه ساحة لتصفية الحسابات أو توزيع المكاسب. أما المواطن، فيبقى خارج المعادلة، شاهداً على ما يجري، دون أن يكون شريكاً فيه.
وما يجعل هذه (الجمهورية) أكثر خطورة، أنها لا تنتج الاستقرار الحقيقي، بل توهم به. فهي تؤجل الانفجار لكنها لا تمنعه، وتسكِّن الألم لكنها لا تعالجه. ومع كل تسوية جديدة، تتراكم التناقضات، وتتعقد الأزمات، حتى يصبح الانفجار مسألة وقت لا أكثر.
هكذا تدار الأوطان حين تغيب الرؤية، ويختزل الحكم في توازنات القوى، لا في قيم العدالة والمواطنة. وهكذا تتحول التسوية، التي يفترض أن تكون جسراً نحو الحل، إلى بنية دائمة تنتج الأزمات وتعيد تدويرها. وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً: إلى متى يمكن لوطن أن يعيش على إيقاع الصفقات، دون أن يدفع ثمنها من مستقبله واستقراره؟

قد يعجبك ايضا