من لا يحفظ نبعاً لا يستحق شربه.. ومن لا يحمي شجرة لا يستحق ظلها الجبل والبيشمركة: حين تصبح الجغرافيا عهداً ووفاءً
أحمد زبير باني
الميثاق الأبدي
لطالما تردد في الوجدان الكردي ذلك المأثور الضارب في عمق التاريخ: “ليس للكرد سوى الجبال”. لكن هذه العبارة لم تكن يوماً صرخة عزلة أو انكسار، بل كانت إعلاناً عن ميثاقٍ أبديّ بين شعبٍ وأرضه. إن الطبيعة في كوردستان لم تكن مجرد مشهدٍ بصريّ أو تضاريس وعرة، بل كانت “الشريك الصامت” في صياغة الهوية، والملجأ الذي فتح ذراعيه بحنان الأم حين أُغلقت في وجهنا كل أبواب الأرض.
اليوم، ونحن ننظر إلى تلك القمم الشامخة التي احتضنت دماء الفداء، يبرز السؤال الجوهري والأخلاقي: كيف نردُّ الإحسان لبيئةٍ كانت هي الوفاء المطلق حين عزَّ الوفاء؟
1. الطبيعة.. الحاضنة الأولى للثورة
لم تكن جبال كوردستان بالنسبة للبيشمركة مجرد سواتر حجرية، بل كانت “غرف عمليات” طبيعية أَمّنت لهم الحماية والتمويه والقدرة على الاستمرار:
• كهوفها: كانت بيوتاً آمنة، ومشافي ميدانية تُداوى فيها جراح الأبطال، وحتى مطابع سرية وُلدت من رحمها المنشورات الثورية الأولى.
• ينابيعها: كانت شريان الحياة الذي لم ينضب، تروي عطش أجسادٍ أتعبها المسير الطويل في دروب الحرية.
• غاباتها: كانت الستار الأخضر العظيم الذي حجب العيون الغازية عن رؤية طلائع النضال، ومنح المقاتلين سر البقاء.
لقد تقاسم الكوردي مع الشجرة ظلها، ومع الصخرة صمودها؛ فنشأت بينهما علاقة عضوية تجعل من أي اعتداء على هذه البيئة اليوم بمثابة “خيانة” لذكرى تلك الأيام الصعبة ولأرواح من ارتقوا فوق تلك التلال.
2. الوفاء الأخضر: من المقاومة بالسلاح إلى المقاومة بالاستدامة
إن الرد الحقيقي على إحسان الطبيعة لا يتجسد في القصائد وحدها، بل بتحويل “الانتماء للأرض” من شعار عاطفي إلى سلوكٍ بيئيٍّ مقدس. إن حماية شجرة “البلوط” التي استظل بها الثوار بالأمس هي استمرار حقيقي لنهج الثورة اليوم.
“إن اليد التي كانت تضغط على الزناد بحزم لحماية تراب كوردستان، هي ذاتها اليد التي يجب أن تزرع اليوم شتلة، وتطهر نبعاً، وتحمي غابة من نيران الإهمال.”
3. خارطة طريق للرد بالإحسان
لكي لا يظل الوفاء مجرد كلمات، يتطلب الأمر خطوات عملية تليق بعظمة هذا “الصديق” الوفي:
• قدسية الأرض: يجب التعامل مع الغابات والمحميات كإرث وطني وتاريخي مقدس، لا يقل قيمة عن المتاحف الحربية ونصب الشهداء.
• التوعية الجيلية: مسؤوليتنا أن نُعلم الأجيال الجديدة أن الجبل ليس مجرد مكان للتنزه، بل هو “محراب” صمد فيه آباؤهم ليبقى الكورد وتبقى كوردستان.
• التشجير كفعل مقاومة: إطلاق حملات تشجير كبرى في المناطق التي شهدت ملاحم النضال، لتظل تلك البقاع خضراء يانعة كما كانت طاهرة بدم الشهداء.
الخاتمة: العودة إلى الحضن الأول
إن البيئة الكوردستانية لم تكن يوماً مجرد “موارد طبيعية”، بل كانت الرفيقة التي لم تبع سرّاً، والقلعة التي لم تسلم مفاتيحها رغم الحصار. الرد بالإحسان اليوم يعني أن نجعل من كوردستان جنةً تليق بتضحيات من ساروا في دروبها الوعرة حفاةً لكي نعيش نحن بكرامة.
لقد حمتنا الجبال بصلابتها في زمن الحرب، وواجبنا المقدس اليوم أن نحميها برقّتنا ووعينا في زمن السلام. فمن لا يحفظ نبعاً، لا يستحق شربه.. ومن لا يحمي شجرة، لا يستحق ظلها.