محمد حسن الساعدي
تشهد الساحة السياسية العراقية أزمة معقدة داخل الإطار التنسيقي الذي يضم القوى الشيعية الرئيسة، هذه الازمة التي تتجلى في عجزه عن ترشيح شخصية متفق عليها لتولي منصب رئاسة الوزراء، فهي ليست وليدة اللحظة بل هي نتيجة تراكمات طويلة من التباينات في الرؤى والمصالح بين مكوناته، حيث تتقاطع الطموحات الشخصية مع الحسابات الحزبية والضغوط الإقليمية والدولية، لتجعل من مهمة اختيار رئيس وزراء مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة.
إن الإطار التنسيقي الذي تأسس ليكون مظلة جامعة للقوى الشيعية بعد الانتخابات الأخيرة، وجد نفسه أمام تحديات داخلية وخارجية، فبينما يسعى للحفاظ على وحدة صفه أمام القوى المنافسة، يعاني من انقسامات حادة بين أطرافه حول معايير اختيار المرشح، هل يكون شخصية توافقية مقبولة من جميع الأطراف، أم شخصية قوية قادرة على فرض رؤيتها وإدارة الدولة وسط أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة، فهذه الخلافات انعكست في اجتماعات مطولة لم تفضِ إلى نتائج حاسمة،حيث يصر كل طرف على ترشيح شخصية مقربة منه أو تضمن له نفوذاً أكبر في الحكومة المقبلة،وهو ما جعل المشهد السياسي يبدو وكأنه دائرة مغلقة لا مخرج منها.
الضغوط الخارجية تلعب دوراً مؤثراً في تعقيد الأزمة، فالعراق بحكم موقعه الجيوسياسي يتأثر بتوازنات إقليمية ودولية، وكل طرف خارجي يسعى للتأثير في هوية رئيس الوزراء المقبل بما يخدم مصالحه، الأمر الذي يزيد من صعوبة التوصل إلى توافق داخلي، كما إن عجز الإطار التنسيقي عن حسم ملف رئاسة الوزراء يضعه أمام اختبار وجودي، ففشله في هذه المهمة قد يؤدي إلى تآكل شرعيته أمام جمهوره، وقد يفتح الباب أمام قوى أخرى لملء الفراغ السياسي، وربما يعيد خلط الأوراق في المشهد العراقي برمته.
أن استمرار الأزمة ينعكس سلباً على الوضع العام في البلاد، حيث تتأخر عملية تشكيل الحكومة وتتعطل المشاريع الإصلاحية، فيما يزداد شعور المواطن بالإحباط من الطبقة السياسية التي تبدو منشغلة بصراعاتها الداخلية أكثر من اهتمامها بتلبية احتياجات الشعب،ففي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمة داخل الإطار التنسيقي ليست مجرد خلاف على اسم رئيس الوزراء، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي العراقي القائم على التوافقات والمحاصصة، وهو نظام يجعل من كل استحقاق سياسي ساحة للصراع والمساومة، بدلاً من أن يكون فرصة لبناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات. إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب من الإطار التنسيقي أن يعيد النظر في آلياته الداخلية، وأن يقدم تنازلات متبادلة تضمن التوصل إلى شخصية مقبولة قادرة على إدارة المرحلة المقبلة، وإلا فإن استمرار حالة الجمود سيؤدي إلى مزيد من الانقسامات وربما انهيار التوافق الذي قام عليه هذا الإطار. وفي النهاية، تبقى الأزمة الحالية مؤشراً على هشاشة البنية السياسية العراقية، وعلى الحاجة الماسة إلى إصلاحات جذرية تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة بعيداً عن الحسابات الفئوية الضيقة، فالعراق لا يحتمل المزيد من الفراغات السياسية، ومصالح الشعب يجب أن تكون فوق كل اعتبار.
الأزمة السياسية داخل الإطار التنسيقي يمكن شرحها بشكل أعمق إذا نظرنا إلى طبيعة هذا الكيان السياسي نفسه،فالإطار التنسيقي ليس حزباً واحداً له قيادة موحدة، بل هو تجمع لقوى متعددة تختلف في رؤيتها ومصالحها، بعضها يملك نفوذاً شعبياً واسعاً، وبعضها يعتمد على علاقات خارجية، وبعضها الآخر يسعى لتعزيز موقعه داخل مؤسسات الدولة،وهذا التنوع جعل من عملية اتخاذ القرار أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنصب حساس مثل رئاسة الوزراء الذي يمثل مركز الثقل في النظام السياسي العراقي.
من الناحية العملية، كل طرف داخل الإطار التنسيقي يريد أن يضمن أن رئيس الوزراء المقبل لن يكون خصماً له أو مهدداً لمصالحه، بل يسعى لأن يكون حليفاً أو على الأقل شخصية يمكن التفاهم معها،ولكن المشكلة أن هذه الحسابات المتناقضة تجعل من التوافق مهمة شبه مستحيلة، فكل طرف يضع شروطاً ومعايير لا يقبل بها الآخرون، ما يؤدي إلى حالة من الجمود السياسي،إضافة إلى ذلك هناك تأثير مباشر للضغوط الإقليمية والدولية، فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وموارده الاقتصادية يمثل ساحة تنافس بين قوى مختلفة، وكل قوة خارجية تحاول أن يكون لها دور في تحديد هوية رئيس الوزراء، سواء عبر دعم مرشح معين أو عبر رفض مرشح آخر. هذه التدخلات تزيد من تعقيد المشهد وتجعل الإطار التنسيقي في موقف حرج، إذ لا يستطيع أن يتجاهل هذه الضغوط لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يفرض مرشحاً يرفضه الداخل والخارج معاً.
الأزمة أيضاً تكشف عن خلل بنيوي في النظام السياسي العراقي القائم على مبدأ التوافق والمحاصصة، حيث لا يتم اختيار المسؤولين على أساس الكفاءة والقدرة على إدارة الدولة، بل على أساس التوازنات بين القوى السياسية والطائفية، وان هذا النظام يجعل من كل استحقاق سياسي معركة طويلة من المساومات، ويؤدي إلى إنتاج حكومات ضعيفة غير قادرة على تنفيذ برامج إصلاحية حقيقية،ومن زاوية أخرى، فأن استمرار الأزمة ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن العراقي، فغياب حكومة مستقرة يعني تعطيل المشاريع الاقتصادية والخدمية، ويزيد من حالة الإحباط الشعبي تجاه الطبقة السياسية، فالمواطن يرى أن القوى السياسية منشغلة بصراعاتها الداخلية أكثر من اهتمامها بتوفير الخدمات أو معالجة الأزمات الاقتصادية والأمنية، وهذا يضعف الثقة بين الشعب والدولة ويزيد من احتمالات الاحتجاجات أو الانفجار الاجتماعي.
يمكن القول إن الأزمة داخل الإطار التنسيقي ليست مجرد خلاف على اسم رئيس الوزراء، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي العراقي نفسه، وبالعلاقة بين القوى الداخلية والخارجية، وبغياب رؤية موحدة لبناء دولة مستقرة، لذلك فأن تجاوز هذه الأزمة يتطلب شجاعة سياسية من قادة الإطار التنسيقي، واستعداداً لتقديم تنازلات حقيقية، وإلا فإن استمرار الجمود سيؤدي إلى مزيد من الانقسامات وربما انهيار التوافق الذي قام عليه هذا الإطار، وهو ما سيترك العراق أمام فراغ سياسي خطير في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى حكومة قوية وفاعلة.