نواب الكورد في مجلس النواب العراقي… بين المسؤولية والتاريخ

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي

في اللحظات الحسّاسة التي تمر بها الشعوب تُقاس المواقف، ويُختبر الضمير، وتُكتب صفحات التاريخ. واليوم يقف أبناء كوردستان أمام سؤال مشروع يردده الشارع الكوردي: هل نواب الكورد في مجلس النواب العراقي يقفون مع كوردستان وأهلها، أم أن الخلافات والمصالح فرّقت الصف وأضعفت الصوت؟
إنّ نواب الكورد لم يصلوا إلى البرلمان صدفة، بل حملتهم أصوات الناس وثقتهم وآمالهم. هذه الثقة ليست مجرد مقاعد أو مناصب، بل هي أمانة ثقيلة ومسؤولية تاريخية، لأن النائب الكوردي لا يمثل حزباً فقط، بل يمثل شعباً عانى طويلاً، وقدّم التضحيات، وكتب تاريخه بالدم والصبر.
كوردستان ليست مجرد جغرافيا، بل ذاكرة شعب، وأرض شهداء، وملاذ آمن لملايين البشر. ومن أكل من خير هذه الأرض، وتربى على هوائها، وشرب من مائها، لا يمكن أن يكون موقفه محايداً عندما تتعرض حقوقها للتحدي أو التهميش. فالوفاء للأرض ليس شعاراً سياسياً، بل واجب أخلاقي قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
إنّ وجود نواب الكورد في بغداد يجب أن يكون قوة لكوردستان، لا نقطة ضعف عليها. فالتعدد الحزبي أمر طبيعي، والاختلاف في الرأي ظاهرة صحية، لكن عندما يتعلق الأمر بالحقوق المصيرية والاقتصادية والدستورية، فإن وحدة الموقف تصبح ضرورة لا خياراً. فالعالم يحترم من يتحدث بصوت واحد، ويستغل من يتفرق صوته.
لقد أثبتت التجارب أن انقسام الصف الكوردي في بغداد ينعكس مباشرة على حقوق المواطنين في كوردستان: في الرواتب، والميزانية، والاتفاقات، والقرارات المصيرية. وكل خلاف داخلي يتحول إلى ورقة ضغط خارجية، يدفع ثمنها المواطن البسيط أولاً وأخيراً.
إن رسالة الشارع اليوم واضحة: لسنا ضد أحد، ولسنا مع حزب ضد حزب، بل مع كوردستان أولاً وأخيراً. نريد من نوابنا أن يكونوا يداً واحدة عندما يتعلق الأمر بحقوق الناس وكرامة الإقليم ومستقبل أبنائه. فالاختلاف السياسي يجب أن يبقى داخل البيت، أما الدفاع عن الحقوق فيجب أن يكون صفاً واحداً لا يتجزأ.
التاريخ لا يذكر عدد المناصب التي شغلها السياسي، بل يذكر موقفه عندما احتاجه شعبه. والكرسي زائل، لكن الموقف باقٍ. والشعب قد ينسى الخطابات، لكنه لا ينسى من وقف معه ولا من خذله.
اليوم، المطلوب من نواب الكورد أن يجددوا العهد مع شعبهم، وأن يتذكروا أن قوتهم في وحدتهم، وأن رسالتهم الأساسية هي حماية حقوق كوردستان وأهلها داخل بغداد، بالحكمة والحوار، وبصوتٍ موحّد يعكس إرادة الشعب الذي أوصلهم إلى تلك المقاعد.
فلتكن المصلحة العليا فوق كل اعتبار، ولتكن كوردستان هي البوصلة التي لا تنحرف. لأن وحدة الصف ليست خياراً سياسياً فحسب، بل هي ضرورة وطنية ومسؤولية تاريخية أمام الله والتاريخ والأجيال القادمة.

قد يعجبك ايضا