نهج الرئيس مسعود بارزاني في الشراكة والتوافق والتوازن

الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة، بجامعة هایدلبرغ، المانیا

منذ عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة كان يُفترض أن تقوم على أسس الشراكة الحقيقية والتوازن بين مكوناته، وفق الدستور والتفاهمات التي مهّدت لتشكيل الحكومات المتعاقبة.

وفي خضم هذه المرحلة، برز الحزب الديمقراطي الكوردستاني كقوة سياسية تمسكت بهذه المبادئ، وجعلت من الشراكة الدستورية والتوافق نهجاً ثابتاً في العمل السياسي.

هذا المسار لم يكن منفصلاً عن رؤية قيادية واضحة، جسدها الرئيس مسعود بارزاني، الذي تبنّى منذ البداية مفهوم الشراكة كخيار استراتيجي لإدارة العراق. فقد ارتكز نهجه على الإيمان بأن الاستقرار لا يتحقق إلا من خلال التوازن بين جميع المكونات، واحترام حقوقها ضمن إطار دستوري واضح. وهو القائل، “إننا أصحاب قضية عادلة مهما حدث من متغيرات على الساحة السياسية، وإننا ملتزمون بالمبادئ الأساسية الثلاثة التوافق والشراكة والتوازن ويجب حماية الحقوق الدستورية لكيان كوردستان وشعبها، لأن هذا الإقليم هو ثمرة نضال طويل في سبيل الحرية.”

وعلى هذا الأساس، دخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في تفاهمات واتفاقيات متعددة مع القوى السياسية العراقية، بهدف بناء نظام يقوم على التعاون لا الإقصاء. إلا أن هذه الاتفاقات، في كثير من الأحيان، لم تجد طريقها إلى التنفيذ، كما تم تعطيل بنود دستورية مهمة تنظم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، الأمر الذي أدى إلى تراجع الثقة وتعقيد المشهد السياسي.

ومع تصاعد هذه الإشكاليات، برزت مواقف الرئیس مسعود بارزاني كعامل توازن، حيث دعا باستمرار إلى الحوار البناء، وحذر من مخاطر الابتعاد عن مبدأ الشراكة. لكنه في الوقت ذاته، دعم مواقف حازمة عندما تم تجاوز هذه المبادئ.

وفي هذا الإطار، جاء قرار الحزب الديمقراطي الكوردستاني بسحب وزرائه من الحكومة الاتحادية، وانسحاب كتلته من مجلس النواب، بعد انتخاب رئيس الجمهورية دون العودة إلى التفاهمات السياسية المتعارف عليها، ودون مراعاة مبدأ التوافق داخل البيت الكوردستاني حول مرشح هذا المنصب. إذ جرت العادة السياسية، كما هو الحال لدى المكونات الأخرى، على الاتفاق الداخلي قبل حسم مثل هذه المواقع السيادية.

وقد مثل هذا التطور، من وجهة نظر الحزب، تجاوزاً لروح الشراكة والتوازن، ما دفعه إلى اتخاذ خطوة الانسحاب كوسيلة للمراجعة والمشاورة، وفي الوقت ذاته كورقة ضغط سياسية تهدف إلى تصحيح المسار وإعادة الاعتبار لمبدأ التوافق.

كما حملت هذه الخطوة رسالة واضحة برفض فرض الإرادات السياسية وتهميش دور المكون الكوردستاني في معادلات الحكم.

إن اعتماد بعض الأطراف السياسية على منطق الأغلبية والتفرد بالسلطة شكّل انحرافاً عن الأسس التي بنيت عليها العملية السياسية، وهو ما أكد الرئیس بارزاني مراراً أنه يهدد وحدة العراق واستقراره. لذلك، ظل يدعو إلى العودة الجادة للدستور، والالتزام بالاتفاقات، بوصفها الضمانة الحقيقية لبناء شراكة متوازنة.

ويؤكد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، انسجاماً مع هذا النهج، على ضرورة تصحيح المسار السياسي في العراق، عبر إعادة الاعتبار لمبادئ التوافق والتوازن، وإنهاء سياسات الإقصاء.

وهي ذات الرؤية التي حملها الرئیس مسعود بارزاني، بوصفه قائد ً و مرجعاً سياسياً للکورد جعل من الحوار والتعايش السلمي أساساً لمعالجة الخلافات.

لقد أثبتت التجربة العراقية أن غياب الشراكة الحقيقية يؤدي إلى الأزمات، بينما يشكل الالتزام بها مدخلاً للاستقرار. ومن هنا، فإن نهج الرئیس مسعود بارزاني في الشراكة والتوافق والتوازن يبقى أحد أبرز النماذج السياسية التي يمكن الاستناد إليها لإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، ووضع العراق على طريق الاستقرار والتنمية.

قد يعجبك ايضا