سمير السوره ميري
حين يُسلب الإنسان وعيه، لا ينتزع منه شيئ مادي يمكن رصده، بل يفرغ ذلك الحيز الخفي الذي تتشكل فيه رؤيته للعالم، هناك في أعماق الإدراك تتراجع حرية الفكرية ويفقدها، بل يصبح راغبا ومقتنعا بما فرض عليه، متوهما أنه اِختياره هو.
تبدأ هندسة العقل الجمعي من حيث لا ينتبه، من المفردات تتكرر يوميا، حتى اكتسبت صفتها من التصورات جاهزة، وتمرر أحكامه وإعتقاداته، كأنها من المسلّمات التي لا تُناقش، ومع مرور الزمن لا تعود المفاهيم موضع سؤال، وهكذا يتم إعادة تشكيل الوعي وسلبه، عبر الشعارات الإثنية والنظريات العقيمة المتحزبة.
في هذا السياق لا تخاض معارك الوعي بالدبابات والمدافع ولا بالرصاص، بل برواية السرديات لتعيد ترتيب أولياته، وتلبسه قضايا لا تخصه، ومع التكرار اليومي عبر منصات التواصل لا يكتفي الخطاب بإقناع المتلقي، بل يكتسب شرعية داخلية غير قابلة للنقاش.
وهنا تبدأ خيوط العنكبوت الفكري في التشكل، ويعزل الإدراك عن محيطه، ويتقدم الإنتماء على المحاججة، ويؤطر الوعي بالسياسة، ولا يرى المخالف إلا خصما، ويغدو النقاش عبثا بل أمرا مستحيلا، وهنا يقمع التفكير ويعاد توجيهه ليخدم ما يراد منه.
تبنى الشعارات عادة على الأفعال، لكن الخطر يبدأ حين تنفصل الشعارات عن واقعها، كلما اِتسعت هذه الفجوة اششتدت شباك الوهم، تختبر الشعارات بالأفعالها وواقيعتها، إن اِستلاب العقول قبضة غير مرئية، يتحول فيها العقل إلى أداة تعيد إنتاجه وفق ماتقتضيه المصالح النافذة، وتُستثمر الروايات البعيدة عن الحقيقة كأدوات مقصودة لخدمة قوى فئوية.
الخروج من هذه الشبكة، ليس مستحيلا بدايته سؤال بسيط: كيف؟ ولماذا؟ وما واقعية ما يطرح، أنه الشك الواعي، الذي يفتح باب الفهم بدل أن يغلقه، للتحرر من سطوة الشعارات، ورؤية الواقع كما هو، لكسر خوف الإنتماء وجرأة في إبقاء مسافة نقدية بين الذات وما يلقى إليها.
كسر أُحادية المصدر وإبطاء التلقّي وتأجيل الحكم، ولا تقبل الفكرة الشائعة ولا ترفض الغريبة منها بل اختبرها، ليمنح العقل فرصة لإلتقاط مابين السطور، إن ممارسة التفكير الحر، يصبح الوعي خطا دفاعيا لحريتك.