بين سراب الحرية وملاذ الراتب

مصطفى طارق الدليمي

تندفع في كل عام مئات الآلاف من الطاقات الشابة من أروقة الجامعات والمعاهد العراقية نحو سوق عمل مكتظ حيث لم تعد الوظيفة الحكومية في نظرهم مجرد مسار مهني انما استقرت في الوجدان الشعبي بوصفها الملاذ الآمن الوحيد وسط بحر من الاضطرابات الاقتصادية
ورغم تضخم الهيكل الإداري للدولة الذي تجاوز حاجز “الأربعة ملايين” موظف وتحول الموازنات العامة إلى مجرد جداول لتوزيع الرواتب التشغيلية التي تلتهم الجزء الأكبر من واردات النفط إلا أن الشاب العراقي لا يزال يفضل الانتظار المرير لسنوات خلف أبواب “التعيين المركزي” براتب قد لا يسد الرمق رافضاً الانخراط في قطاع خاص يُفترض أنه يمثل روح الاقتصاد الحديث لكنه في الواقع العراقي يبدو كحلبة صراع غير متكافئة الفرص
إن هذا العزوف الجماعي لا يعود إلى قصور في الطموح أو رغبة في الخمول الوظيفي كما يحلو لبعض المنظرين توصيفه انما هو نتاج قراءة دقيقة وواقعية لهيكلية اقتصادية مشوهة جعلت من القطاع الخاص بيئة طاردة للكفاءات فالشاب العراقي حين يستميت للحصول على وظيفة في مؤسسات الدولة فهو لا يبحث عن العمل بذاته بقدر ما يبرم عقداً مع المستقبل لضمان الحد الأدنى من الكرامة الاجتماعية فالوظيفة الحكومية تمنحه مظلة تقاعدية ثابتة وحماية من تقلبات السوق وسياجاً قانونياً يقيه مزاجية أرباب العمل
في المقابل يظل العمل في القطاع الخاص العراقي رغم وجود قوانين للعمل والضمان الاجتماعي رهينة لغياب التفعيل الحقيقي مما يترك العامل الشاب تحت مقصلة “الطرد التعسفي” وتذبذب الأجور ويجعله عرضة لضياع سنوات خدمته دون حقوق تقاعدية تضمن له ولعائلته العيش الكريم في مرحلة الشيخوخة
وتتعمق المعضلة حين يتجاوز الأمر غياب الضمانات ليصطدم بجدار البيروقراطية القاتلة والفساد المؤسساتي الذي يغتال المشاريع الصغيرة في مهدها
فالمبادرة الفردية التي يحلم بها الشاب العراقي تصطدم بسلسلة لا تنتهي من الموافقات الرسمية المعقدة والتي تحولت بمرور الوقت إلى “منافذ جباية” غير شرعية يتغذى عليها الفساد المالي
إن افتتاح مشروع صغير في العراق يعني مواجهة تعدد جهات الجباية التي لا تكتفي بالضرائب والرسوم القانونية بل تبرز فيها “جهات ظل” وقوى متنفذة تفرض أتاواتها تحت مسميات “الحماية” أو “التسهيلات” أو حتى فرض شراكات إجبارية دون دفع رأس مال مما يحول المغامرة الاستثمارية إلى عبء مادي ونفسي يفوق قدرة الشباب على التحمل
حيث يعاني القطاع الخاص العراقي من “هشاشة السيادة الاقتصادية” في مواجهة الإغراق السلعي المتعمد إذ يجد الصانع أو الحرفي العراقي نفسه في منافسة خاسرة مع بضائع مستوردة تدخل بأسعار مدعومة من دول الجوار مستفيدة من غياب الحماية الجمركية الفاعلة وضعف الرقابة على المواصفات
إن هذا التفاوت جعل من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة نوعاً من الانتحار المالي مما حصر نشاط القطاع الخاص في مجالات استهلاكية وخدمية هشة مثل المطاعم والمولات والكافيهات وهي قطاعات على أهميتها تظل عاجزة عن امتصاص جيوش الخريجين من ذوي التخصصات العلمية والهندسية والتقنية وتفشل في خلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الكلي
إن حالة الاغتراب التي يعيشها الشباب العراقي تجاه “حرية السوق” المزعومة هي في جوهرها صرخة احتجاج ضد “اقتصاد الريع” الذي رسخ دور الدولة كالموزع الوحيد والمهيمن على الثروة محولاً المجتمع إلى مجرد طالبي منح ورواتب بدلاً من منتجين ولن يتحطم هذا القيد إلا عبر ثورة حقيقية في التشريعات الاقتصادية تبدأ بإنفاذ قانون ضمان اجتماعي صارم يساوي فعلياً بين القطاعين العام والخاص في الحقوق والامتيازات لانتزاع مفهوم الأمان من احتكار الوظيفة الحكومية كما يتطلب الأمر خلق بيئة استثمارية نظيفة تحمي المستثمر الصغير من “حيتان الفساد” ومن توغل الجماعات المسلحة والسياسية في مفاصل الاقتصاد مع ضرورة تفعيل سياسة نقدية وجمركية تحمي المنتج الوطني وتعيد للاستثمار الصناعي بريقه وجدواه الاقتصادية إن بقاء الوضع على ما هو عليه يعني استمرار استنزاف الطاقات البشرية في مكاتب حكومية تعاني أصلاً من “البطالة المقنعة” وبقاء القطاع الخاص مجرد واجهة للنشاطات الاستهلاكية المرتبطة بتدفق السيولة النفطية إن الشاب العراقي يدرك تماماً أن قيد الوظيفة الحكومية ثقيل لكنه يراه أخف وطأة من “حرية” سوق يفتقر لسيادة القانون حيث تغيب فيه العدالة التنافسية وتسيطر عليه لغة النفوذ والأتاوات وبدون تحول حقيقي يضمن كرامة العامل وحصانة مشروعه الصغير سيبقى حلم الجيل المعلق هو الأمر الإداري بالتعيين وسيبقى القطاع الخاص العراقي عملاقاً مكبلاً بالأغلال عاجزاً عن النهوض باقتصاد بلد يمتلك كل مقومات الثروة ويفتقر لآليات إدارتها وتوزيعها بعدالة.

قد يعجبك ايضا