قراءة في ديوان )يخلق من الشبه ياسمين(

محمد محضار

صدر مؤخرا للشاعر السورية الأستاذة ميادة سليمان مهنا ديوان شعري موسوم بعنوان “يُخلق من الشبه ياسمين” وهو ديوان اختارت له شاعرته القصيدة التوقيعية أو قصيدة الومضة التي تتميز كما عَرّفها الشاعر الفلسطيني عز الدين مناصرة:

بكونها قصيدة قصيرة جداً من نوع (جنس الحافةتتناسب مع الاقتصاد، والسرعة، وتتميز بالإيجاز والتركيز وكثافة التوَتُّر.

عَصَبُها (المفارقة)، الساخرة، والإيحاء، والانزياح، والترميز. ولها ختامٌ مفتوح قاطع أو حاسم، مدهش، أي أنَّ لها (قفلة) تشبه (النَقْفَة) المتقنة، ملائمة للحالة. تحكُمُها الوحدة العضوية، فهي متمركزة حول ذاتها، (مستقلة)

ولجوء الشّاعرة المُميزة لهذا النَّوع من الكتابة الشعرية يُعتبر إِضافة نوعية إلى حسنات إبداعها إن جاز التعبير، لعدة اعتبارات، لعل أبرزها الإقبالُ الكبير للشعراء على هذا الجنس الأدبي الذي يتقاطع مع الهايكو الياباني الذي يحاول من خلاله الشاعر التعبير عن أحاسيسه الجياشة التي تضطرم داخل وجدانه بألفاظ قليلة.

في كلمة موجهة للقارئ تقول الشاعرة:

هنا مائتا ومضة

وربما

مئتا ياسمينة

أرجو أن يعجبك

فوح حروفي

هي كلمة موجزة تحمل في طيّها إشارات واضحة على أن ميادة سليمان تدعو القارئ لدخول بستان ومضاتها بما قلّ ودلّ، اعتبارا لتطور الحياة وسرعة الانسياب الزمني الذي لم يعد يسمح بنصوص طويلة وأحيانا مملة، وهي بهذا تتفق مع يوسف الخال الشاعر اللبناني الكبير وأحد شعراء الحداثة المجددين في الشعر العربي الذي يقول: “نحنُ نجدّد في الشعر، لا لأنّنا قرّرنا أن نجدّد، نحنُ نجدّد لأنَّ الحياةَ بدأت تتجدّد فينا، أو قُل تجدّدنا، فنجاحنا مؤكد ولا حاجة لنا بأي صراعٍ معَ القديم.

القافية التقليدية ماتت على صخَبِ الحياة وضَجيجها والوزنُ الخليلي الرتيب ماتَ بفعلِ تشابك حياتنا وتغير سيرها. وكما أبدعَ الشاعرُ الجاهلي شكله الشعريّ للتعيير عن حياته، علينا نحنُ كذلك أن نبدع شكلنا الشعريّ للتعبير عن حياتنا التي تختلفُ عن حياته» ميادة اختارت شكلها الشعري الخاص المعبر عن انطباع جلي وواضح يمتزج فيه الدفق الشعوري السريع الموازي لإيقاع العصر بلمحات واقعية تحوطها عاطفة عميقة، تنتهي بمفارقة قوية تُحدث عند القارئ تأثيرا ذهنيا ووجدانيا قويّاً.

العتبات

لنبدأ بغلاف الديوان باعتباره جزءً من النص الموازيPARTEXTE (العتبات) على حد تعبير جيرار جينت الذي يحدده في: العنوان، العناوين الفرعية، العناوين الداخلية، اسم الناشر، تاريخ النشر، المقدمة، الملاحظات، الرسوم التوضيحية، جدول المحتويات، الخاتمة

يُشكل الغلاف في ديوان “يُخلق من الشبه ياسمين” بوابة حسية للولوج إلى عالم ميادة سليمان الشعري، في الصورة الأمامية تُطالعنا صورة فتاة مسبلة العينين بشعر متهدل على كتفيها تلوح معالم البراءة على محياها في إشارة جلية إلى سحر أنثوي ناعم، خلفية الصورة يمتزج فيها اللون البنفسجي الفاتح القريب من الأرجواني الرامز للرقة والسكينة والنعومة مع ألوان أخرى متداخلة وحاضنة لزهرات الياسمين بلونيها الأبيض والأصفر، يتكرر عنوان الدِيوان بلونين مختلفين، الأسود والبنفسجي في إشارة سيمائية دالة تسعى لخلق الإدهاش لدى القارئ، اسم الشاعرة بالحروف العربية واللاتينية يحتل مكانا في أعلى الغلاف في تناغم راق مع عنوان الديوان مما يخلق نوعا من المتعة البصرية جاذبة.

لنتوقف لحظة أمام العنوان “يُخلق من الشبه ياسمين” الذي يذكرنا بالمثل الشائع يخلق من الشبه أربعين، نستطيع أن نتحدث عن تناص بلاغي مبني على جماليات يُمكن تلمسها من خلال البعد الدلالي الذي تتجسد عَبره تطريزات لغوية يمكن اعتبارها عتبة للدخول إلى المتن الأصلي، اِجتيازنا العتبة سيفضي بنا إلى بوابة عالم ميادة مهنا سليمان الساحر والمفعم بروح جامحة متوثبة ولكن دعونا قبل ولوج هذا العالم نتعرف على مضمون العنوان تركيبيا، هو جملة فعلية مبنية للمجهول، حيث يُخلقُ فعل مضارع مرفوع، وياسمينُ نائب فاعل مرفوع بالضمة، وشبه الجملة “من الشبه” متعلقة بالفعل يخلق.

ويمكن تفصيله إعرابيا كالتالي:

يُخلقُ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

من: حرف جر.

الشبهِ: اسم مجرور بـ (من) وعلامة جره الكسرة الظاهرة تحت آخره، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يُخلق)

ياسمينٌ: نائب فاعل (للفعل يُخلق) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره (أو تنوين الضم)

تقول الشاعرة ميادة سليمان مهنا:

حين ترمينهُ

من شرفة قلبكِ

لا تنظري

أيّة امرأةٍ

تلتقطه

أقتطف هذا النموذج “الومضة” الذي هو أقرب للبرقية الشعرية التي تجمع بين الصورة الحسية (الدال) والمشهد الذهني (المدلول) وينتهي الأمر إلى القفلة المشحونة بالمفارقة.

وأقتطف أيضا هذه الومضة:

في ليالي الاشتياق

يصرخ قلبه:

إن بعد الضم حُلْم

ومضة مكثفة وتتضمن حالة شعرية مبنية على الإدهاش وقفلتها تستند على مفارقة عميقة، تشمل تناصّا جليّا على الأقل في الشكل وإن لم يكن في الموضوع “إن بعض الضم حلمٌ ” تحيل على جزء من الآية الكريمة 12 من سورة الحجرات: “إن بعض الظنّ إثم “، وللإشارة يمكن أن نلمس هذا الأمر حتى في عنوان المجموعة “يخلق من الشبه ياسمين

الانزياح وشعرية الومضات

يعتبر الانزياح واحدا من أشهر مصطلحات الأسلوبية ومفاهيمها التي ظهَرت مع الشِّعرية الحديثة، وهذا يمكننا تلمّسه خاصة في الشعر باعتباره مجالا خصبا للغةٍ إيحائية تفتح الباب أمام المتلقي على عوالم من التأويلات، التي تفرضها اللغة سواء كان ذلك على المستوى الصوتي أو الصرفي أو التركيبي أو الدلالي.

والومضة الشعرية (القصيدة الومضة) لا يمكن أن تخرج عن هذا السياق لأن الشاعر يحاول قدر الإمكان شدَّ القارئ إلى ومضته متوسلا بعدد من الوسائل للوصول به إلى حالة الإبهار والإدهاش، والانزياح واحد من أهم هذه الوسائل التي تتحقق من خلالها المتعة والاستمتاع للمتلقي باعتبار أن النص الشعريَّ يُميِّز نفسه بالخروج عن المألوف، ومن أبرز النقاد الذين تبنوا مفهوم الانزياح جون كوهين الذي يؤكد أنّ ” “أن الشرط الأساسي والضروري لحدوثِ الشِّعرية هو حصول الانزياح، باعتباره خرقًا للنظام اللُّغويِّ المعتاد، وممارسة استيطيقيةً

وإذا كان العديد من النقاد يعتبرون الانزياح خروجا عن المألوف وتجاوُزاً للسائد والمتعارف عليه، كقول الشاعر والرياضي الفرنسي “بول فاليري”: “إن الأسلوب في جوهره اِنحرافٌ عن قاعدةٍ ما”، فهو لا يتحقق إلا إذا حقق قيمة جمالية وتعبيرية تُثري تجربة الشاعر الإبداعية وتضيف لِنصوصه أصالة تتقاطع مع الشعرية المتوخاة والمطلوبة وتسمو بلغتها إلى درجة اللغة الأدبية.

يرى مايكل ريفاتير أن الإنزياح “يكون خرقًا للقواعد حينًا، ولجوءً إلى ما ندر حينًا آخر، فأما في حالته الأولى، فهو من مشمولات علم البلاغة، فيقتضي إذًا تقييمًا بالاعتماد على أحكامٍ معيارية، وأما في صورته الثانية، فالبحث فيه من مقتضيات اللسانيات عامة، والأسلوبية خاصة.

قد يعجبك ايضا