إبراهيم جلال… رائد المسرح الذي صاغ ملامح التجربة العراقية

محمد علي محيي الدين

وُلد إبراهيم جلال في بغداد، المدينة التي ظلت طوال حياته مسرحًا لقلقه الإبداعي وطموحه الفني. ومنذ سنواته الأولى بدا واضحًا أن هذا الشاب لا يحمل روحًا عادية؛ فقد جمع بين قوة الجسد وقلق الفن، إذ عرف في مطالع شبابه بطلاً رياضيًا أحرز بطولات في الملاكمة ورمي الرمح، قبل أن تتجه بوصلته نهائيًا نحو عالم المسرح، حيث سيكتب اسمه لاحقًا في الصفحات الأولى من تاريخ الفن العراقي.

تخرّج في معهد الفنون الجميلة عام 1945، وكان ذلك التخرج بداية طريق طويل من البحث والتجريب. لم يكتفِ بما ناله من علم في بغداد، بل حمل شغفه إلى العالم، فدرس السينما في إيطاليا، ثم اتجه إلى الولايات المتحدة حيث التحق بمعهد شيكاغو للفنون المسرحية، فحصل على بكالوريوس في فن التمثيل عام 1961، وأتبعها بدرجة الماجستير عام 1963. وهناك تعمقت رؤيته الفنية، واطّلع على مدارس المسرح العالمية، لكنه لم يعد إلى بغداد مقلّدًا لها، بل عاد وهو يحمل فكرة واضحة: أن المسرح العراقي يجب أن يكتشف لغته الخاصة.
عند عودته تولى رئاسة قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة، فكان أستاذًا ومربيًا ومؤثرًا في أجيال من الفنانين الذين تشربوا منهجه في الأداء والتفكير المسرحي. ولم يكن حضوره في المؤسسة التعليمية مجرد وظيفة، بل كان مشروعًا ثقافيًا يسعى إلى إعادة تشكيل الحس المسرحي في العراق.
في أربعينيات القرن الماضي خطا خطواته الأولى في التنظيم المسرحي، فأسس عام 1947 الفرقة الشعبية للتمثيل، ثم شارك مع يوسف العاني عام 1952 في تأسيس فرقة المسرح الفني الحديث، التي ستصبح لاحقًا واحدة من أهم الفرق المسرحية في العراق والعالم العربي. وانتُخب رئيسًا لها، وكان له دور فاعل في تحريك الحياة المسرحية الوطنية، حيث أصبح المسرح لديه أداة فكرية وثقافية تعكس هموم المجتمع وتطلعاته.
لم يكن إبراهيم جلال فنانًا منعزلًا عن قضايا زمانه؛ فقد شارك بفنه ومواقفه في مناخ المعارضة الثقافية للسلطات الملكية في الخمسينيات، الأمر الذي عرّضه للمساءلة والعقاب. ومع ذلك لم يتراجع عن إيمانه بأن المسرح يجب أن يكون صوتًا للحياة، لا مجرد ترف فني.
تميّز مشروعه المسرحي بقدرته على التفاعل الخلاق مع التجارب العالمية. فقد استلهم مشروع المسرح الملحمي عند برتولت برشت، لكنه لم يستنسخه كما هو، بل أعاد صياغته في سياق الروح العراقية، فخرجت أعماله مزيجًا فريدًا من الفكر الحديث والبيئة المحلية. وهذه القدرة على التكييف الخلاق كانت إحدى السمات المبكرة التي ميّزت نشأة المسرح العراقي، إذ لم يقم على تقليد التجارب الأجنبية، بل حاول منذ بداياته أن يخلق هويته الخاصة.
أخرج إبراهيم جلال عشرات المسرحيات التي تنوعت بين النصوص العالمية والأعمال المحلية، وكان حضوره فيها مخرجًا وممثلًا ومفكرًا مسرحيًا في آن واحد. ومن بين الأعمال التي ارتبط اسمه بها: شهداء الوطنية، مقامات أبي الورد، الطوفان، البيك والسايق، كاليغولا، دائرة الطباشير القوقازية، ست دراهم، الملحمة الشعبية، والشيخ والغانية. كما أخرج مسرحية رحلة بالصحون الطائرة عام 1976 من تأليف فيصل الياسري.
ولم تقتصر نشاطاته على المسرح وحده، بل امتدت إلى السينما العراقية في مراحلها المبكرة. فقد شارك في عدد من الأفلام التي تعد من البدايات المهمة في تاريخ السينما في العراق، مثل فيلم القاهرة – بغداد المشترك مع مصر بإخراج أحمد بدرخان، وفيلم عليا وعصام عام 1948 للمخرج الفرنسي أندريه شوتان، وهو من أوائل الأفلام العراقية، وكذلك فيلم ليلى في العراق عام 1949 للمخرج أحمد كامل مرسي.
كما عمل مساعد مخرج في أفلام مثل من المسؤول؟ للمخرج عبد الجبار ولي عام 1956، وسعيد أفندي للمخرج كاميران حسني عام 1958، ثم تولى مهام المدير الفني في فيلم الحارس عام 1967 الذي أخرجه خليل شوقي. وشارك ممثلًا في عدد من الأفلام منها شايف خير، الرأس، سنوات العمر، الأسوار، الأيام الطويلة، فائق يتزوج، والفارس والجبل. أما تجربته الإخراجية السينمائية فتمثلت في فيلم حمد وحمود عام 1984.
وعلى الصعيد الإداري والثقافي تقلد مواقع عدة، فقد عمل رئيسًا لقسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة، ثم عمل أستاذًا في وزارة التربية في السعودية عام 1967، وأسّس عام 1969 معهد بغداد للمسرح التجريبي. كما عمل مستشارًا للمسرح في وزارة الثقافة في أبو ظبي بين عامي 1981 و1986، وتولى منصب نقيب الفنانين العراقيين لعدة دورات.
كان حضوره في الوسط الفني لافتًا بجرأته الفكرية وصراحته في الرأي، وهو ما أكسبه احترام النقاد وزملائه. وقد دُعي إلى العديد من المؤتمرات والمهرجانات المسرحية في العراق وخارجه، وكرّم في أكثر من مهرجان مسرحي عربي، من بينها مهرجانات قرطاج ودمشق والقاهرة.
وفي عام 1991 أسدل الستار على حياة هذا الفنان الكبير بعد مسيرة امتدت عقودًا من العمل والإبداع، وقد بلغ السبعين من عمره. وكان آخر ما شارك فيه فيلم الوداع الأخير في العام نفسه، كما كانت مسرحية الشيخ والغانية آخر عمل مسرحي أخرجه قبل رحيله. وهكذا رحل إبراهيم جلال، لكنه ترك وراءه أثرًا عميقًا في الذاكرة الثقافية العراقية؛ أثر فنان لم يكن مجرد ممثل أو مخرج، بل كان أحد الذين وضعوا اللبنات الأولى لتجربة مسرحية عراقية تبحث عن صوتها الخاص في عالم المسرح.

قد يعجبك ايضا