اِبْتِهَالَاتُ العِشْقِ ” حَاجَةَ الإِنْسَانِ إِلَى الحُرِّيَّةِ كَحَاجَتِهِ إِلَى الخُبْزِ وَالْمَاءِ.” ” مَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ عِشْقُ الوَطَنِ شُعْلَةً مُلْتَهِبَةً إِلَى الأَبَدِ.”
عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسُكِي
كُلُّ أَدَبٍ يَحْمِلُ مَعَهُ صِفَاتِهِ، مُمَيِّزَاتِهِ الَّتِي تَمْتَدُّ إِلَى جُذُورٍ عَمِيقَةٍ أَصِيلَةٍ. الأَدَبُ الكُرْدِيُّ، كَكُلِّ آدَابِ العَالَمِ، زَاخِرٌ بِتُرَاثٍ، فُولْكُلُورٍ، وَصُوَرٍ حَيَاتِيَّةٍ وَبِيئِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ. تُجَسِّدُ الوَاقِعَ الكُرْدِيَّ. الحَدِيثُ عَنِ الأَدَبِ الكُرْدِيِّ يَحْتَاجُ إِلَى سُطُورٍ كَثِيرَةٍ. مَا يَهُمُّنَا هُوَ أَنْ يَعْرِفَ القَارِئُ العَزِيزُ أَنَّ مَا نَتَطَرَّقُ لَهُ مِنْ خِلَالِ القَصِيدَةِ أَوْ قِصَّةٍ مَا هُوَ إِبْدَاءُ رَأْيٍ، تَحْلِيلُ صُورَةٍ وَاقِعِيَّةٍ، تَخُصُّنَا جَمِيعًا، تَذُوبُ فِينَا، تَرْتَبِطُ بِنَا ارْتِبَاطًا رُوحِيًّا، فِكْرِيًّا، إِنْسَانِيًّا، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ. لَسْتُ مِنَ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَدَبٍ وَآخَرَ مَا دَامَ الأَدَبُ، أَوْ كُلُّ الآدَابِ، تَصُبُّ فِي بَحْرٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ البَحْرُ الإِنْسَانِيُّ، إِلَّا مَا نَدَرَ.
يَنْقُلُنَا الشَّاعِرُ صَدِيقُ شَرُّو إِلَى صُوَرٍ شِعْرِيَّةٍ كَالْحُرِّيَّةِ، الحُبِّ، الحِقْدِ، الوَطَنِ. تَضُمُّ هَذِهِ العَوَالِمُ العِشْقَ الرُّوحِيَّ المُقَدَّسَ. يَأْمُلُ الإِنْسَانُ بِأَنْ يَسُودَ الكَوْنَ نِظَامٌ إِلَهِيٌّ مَا، إِلَّا إِنَّهَا آمَالٌ سُرْعَانَ مَا تَذْهَبُ أَدْرَاجَ الرِّيَاحِ. أَكْثَرُ الآمَالِ تَلْهُو فِي أَعْمَاقِ الإِنْسَانِ. رُبَّمَا شُمُوسُ الدُّنْيَا تَغِيبُ، لَكِنَّ شُمُوسَ قُلُوبِنَا لَا تَغِيبُ أَبَدًا، رَغْمَ الآلَامِ، الطَّلَاسِمِ، وَالْمَجْهُولِ. إِنَّ حَاجَةَ الإِنْسَانِ إِلَى الحُرِّيَّةِ هِيَ كَحَاجَتِهِ إِلَى الخُبْزِ وَالْمَاءِ. أَعْنِي بِالْحُرِّيَّةِ تِلْكَ الَّتِي تَسْمُو بِالإِنْسَانِ، تَضَعُهُ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ. غِيَابُ الحُرِّيَّةِ، الحِرْمَانُ مِنْهَا، هُمَا أَصْعَبُ مِنَ الجُوعِ، أَشَدُّ تَأْثِيرًا مِنَ الظَّمَإِ. صَرْخَةُ الإِنْسَانِ الأُولَى عِنْدَ وِلَادَتِهِ كَأَنَّهُ يَصْرُخُ بِإِذْنِ الحُرِّيَّةِ، لِأَنَّهُ وُلِدَ لِيَكُونَ فِي أَحْضَانِهَا، لَيْسَ وَرَاءَ شُمُوسِهَا، وَإِنَّهُ عِشْقٌ سَرْمَدِيٌّ. عِنْدَمَا تُهَاجِرُ طُيُورُ الحُرِّيَّةِ إِلَى أَيِّ بُقْعَةٍ مِنَ الأَرْضِ، تَسْتَحِيلُ الحَيَاةُ عَلَيْهَا طِلْسِمًا مَجْهُولًا، وَبَدَلًا مِنْ صَرَخَاتِ اللَّعْنَةِ، يُحَاوِلُ أَنْ يُضِيءَ شَمْعَةً فِي نُفُوسِنَا. نَبْحَثُ عَنْ أَمَلٍ بِقُوَّةِ إِرَادَتِنَا، وَأَرْوَاحِنَا فِكْرَةُ إِحْسَانٍ أَمَلُنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الأَمَلُ مِثِيلًا، تُحَاوِلُ أَنْ تَطِيرَ مَعَهُ إِلَى الأُفُقِ.
“نَمْلَأُ فَرَاغَ الطُّيُورِ المُهَاجِرَةِ…
إِنْ رَأَيْتَ طُيُورَ الحُرِّيَّةِ
قَدْ هَجَرَتْ دِيَارَنَا،
فَاسْتَحَالَ رَوْنَقُ الحَيَاةِ مَرَارَةً كَثِيفَةً،
فَرَجَائِي أَنْ لَا تَنْسَى أَنْ تَأْتِينَا،
لِتُشَبِّكَ أَيْدِينَا مَعًا، وَنَطِيرَ إِلَى الأُفُقِ،
وَنَمْلَأَ فَرَاغَ طُيُورِ الحُرِّيَّةِ.”
إِنَّ الحُبَّ هُوَ أَسَاسُ الحَيَاةِ. كَثِيرٌ مِنَ الأُدَبَاءِ وَصَفُوهُ حَسَبَ إِحْسَاسِهِ وَشُعُورِهِ، وَعُمْقِ تَجْرِبَتِهِ بِالحَيَاةِ، وَالحُبُّ عِنْدَ الشَّاعِرِ صَدِيقِ شَرُّو هُوَ أَسْمَى، هُوَ الوُصُولُ إِلَى قِمَّةِ العِشْقِ، يَعْنِي الوُصُولَ إِلَى مَا يَبْغِيهِ العَاشِقُ. عِنْدَمَا يَصِلُ العَاشِقُ إِلَى هَذِهِ القِمَّةِ لَا يُمْكِنُهُ العَوْدَةُ إِلَى الوَادِي، إِلَى الصِّفْرِ. فَمَاذَا يَخْتَارُ بَعْدَهَا؟ أَمْرَانِ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا: إِمَّا العَوْدَةُ إِلَى البِدَايَةِ، أَوِ اخْتِيَارُ النِّهَايَةِ. فَمَا نَوْعُ هَذِهِ النِّهَايَةِ؟
“إِنَّنِي عَاشِقٌ،
عَاشِقُ خُصَلَاتِ شَعْرِ الشَّقْرَاءِ
المُتَنَاثِرَةِ، المُبَعْثَرَةِ.
أَجَلْ، سَأَنْسُجُ بِأَنَامِلِي هَذِهِ
جَدِيلَةً وَاحِدَةً مِنْ جَدَائِلِهَا الأَرْبَعِ،
فَإِنْ فَعَلْتُ مَا أَبْغِيهِ، فَلْأَمُتْ…!”
إِذَنْ اخْتَارَ المَوْتَ، وَهَذَا يَعْنِي النِّهَايَةَ، لِأَنَّ المَوْتَ عِشْقٌ أَيْضًا. يَجِدُ لَنَا الشَّاعِرُ التَّنَاقُضَ بَيْنَ فِكْرَةِ كَوْنِ الحُبِّ أَسَاسَ الحَيَاةِ، وَالمَفْهُومِ الاجْتِمَاعِيِّ عَلَى أَنَّهُ قُوَّةٌ مُهَدِّمَةٌ لِلْحَيَاةِ. يَتَجَلَّى هُنَا صِرَاعٌ بَيْنَ حَاجَاتِ الفَرْدِ، مَصْلَحَتِهِ، قَنَاعَتِهِ الذَّاتِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ، وَمَصْلَحَةِ المُجْتَمَعِ الَّذِي يَحْمِي كِيَانَهُ مُقَابِلَ قُيُودٍ يَفْرِضُهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. هَذَا الصِّرَاعُ لَيْسَ جَدِيدًا، بَلْ قَدِيمٌ قِدَمَ أَفْلَاطُونَ. إِنَّهُ يَأْبَى الرَّحِيلَ عَنْ عِشْقِ الحَبِيبَةِ، لَا يَرْغَبُ فِي أَيَّةِ وَرْدَةٍ قَطَفَتْهَا يَدٌ غَرِيبَةٌ، فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ “لَعَلِيخَانَا كُوفَه ي” زُوِّجَتْ بِالإِكْرَاهِ، وَهِيَ بَطَلَةٌ لِقِصَّةٍ كُرْدِيَّةٍ رَائِعَةٍ، غَدَتْ رَمْزًا لِكَثِيرٍ مِنْ أُدَبَاءِ وَشُعَرَاءِ الكُرْدِ.
“لَا أَرْغَبُ فِي الوَرْدَةِ
الَّتِي قَطَفَتْهَا لِي يَدٌ غَرِيبَةٌ،
وَلَنْ أَرْحَلَ عَنْ عِشْقِ الحَبِيبَةِ
الَّتِي أَبْعَدُوهَا عَنِّي رَغْمًا،
وَقَدْ عَلِمْتُ أَيْضًا
أَنَّ لَعَلِيخَانَا كُوفَه ي زُوِّجَتْ بِالإِكْرَاهِ.”
إِنَّهَا صُورَةٌ وَاقِعِيَّةٌ لِلْقَنَاعَةِ الذَّاتِيَّةِ وَالحَاجَةِ الأَوَّلِيَّةِ. مَا زِلْنَا فِي عَالَمِ العِشْقِ الجَمِيلِ، يَتَوَّجُ هَذَا العِشْقُ عِنْدَمَا يَكُونُ عِشْقُ الوَطَنِ أَعْلَى دَرَجَاتِ العِشْقِ. هَذَا العِشْقُ الَّذِي يُولَدُ مَعَنَا، يَكْبُرُ، يَسْمُو بِنَا إِلَى عَالَمِ السَّعَادَةِ الرُّوحِيَّةِ، يُلْهِبُنَا بَيْنَ ذَرَّاتِهِ، يَمْتَزِجُ دَمُنَا مَعَ دَمِهِ، نَتَوَحَّدُ مَعًا. فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ عِشْقُ الوَطَنِ شُعْلَةً مُلْتَهِبَةً إِلَى الأَبَدِ.
“وَطَنِي…
وَسَتَظَلُّ — إِلَى الأَبَدِ — مُلْتَهِبًا،
عِشْقُكَ شُعْلَةٌ مُلْتَهِبَةٌ فِي أَعْمَاقِي،
فَلْيَبْقَ عَدُوُّنَا القَذِرُ جَاهِلًا
مَطْلَبَنَا وَمَقْصِدَنَا،
مَا دَامَتْ ثَمَّةَ قَطْرَةُ دَمٍ
تَنْبِضُ فِي حَنَايَا قَلْبِي.”
هَلْ مِنَّا مَنْ لَمْ يَعْشَقْ، لَمْ يُحِبَّ، مَنْ لَمْ يُحِسَّ بِهِمَا؟ لَوِ افْتَرَضْنَا وُجُودَهُ، فَلْيَتَأَمَّلْ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي عُيُونِ الأُفُقِ، سَيَجِدُ نُورًا نَائِيًا، يَسْمَعُ صَدَاهُ يُنَادِيهِ، وَفِي أَعْمَاقِهِ تَوْأَمُ ذَلِكَ النُّورِ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ.
********
* القصيدة ترجمة الشاعر بدل رفو المزوري