محمد علي محيي الدين
وُلدت إحسان صادق الملائكة في بغداد في الثالث والعشرين من آذار عام 1925، في بيتٍ لم يكن عاديًا في تكوينه ولا في إشعاعه الثقافي؛ بيتٍ تشكّلت جدرانه من حبرٍ وشعر، ومن تربيةٍ واعية تنتمي إلى جيلٍ رأى في المعرفة خلاصًا وفي الأدب رسالة. فهي ابنة الكاتب والمربي صادق الملائكة، وتلميذة الروح للشاعرة سلمى الملائكة، وشقيقة نازك الملائكة التي ستصبح أحد أعمدة الشعر العربي الحديث. وفي امتداد هذا النسب الثقافي، يلوح خالها جميل الملائكة، ويجاوره عبد الصاحب الملائكة، لتغدو إحسان ابنة عائلةٍ تتوارث الكلمة كما تتوارث الدم.

في هذا المناخ، تشكّلت ملامحها الأولى، فاختارت طريق العلم دون أن تنفصل عن الفن. أنهت دراستها في بغداد، ونالت شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من دار المعلمين العالية عام 1951، ثم مضت لتتذوق الجمال بلغة أخرى حين درست الرسم في معهد الفنون الجميلة حتى عام 1953، وكأنها كانت تسعى إلى أن ترى العالم مرتين: مرة بالكلمة، وأخرى باللون. ولم تكتفِ بذلك، بل أضافت إلى أدواتها إتقان اللغة الإنكليزية، فنالت شهادة الكفاءة من المجلس الثقافي البريطاني في بغداد عام 1952، لتفتح لنفسها أبواب الترجمة، ذلك الجسر الذي تعبر عليه الثقافات.
ولم يكن سعيها العلمي توقفًا عند حدود الوطن، إذ شدّت الرحال إلى إسطنبول، حيث حصلت على شهادة الماجستير في الأدب المقارن من جامعتها عام 1983، وكأنها كانت تبحث عن صوتٍ يتجاوز المحلية دون أن يفقد جذوره، ويستوعب العالم دون أن يذوب فيه.
دخلت ميدان التعليم عام 1952، فكانت معلمةً للأجيال في المدارس الثانوية والإعدادية للبنات في بغداد، واستمرت في أداء رسالتها حتى تقاعدها عام 1978. وفي قاعات الدرس، لم تكن تنقل المعرفة فحسب، بل كانت تغرس حسًّا ثقافيًا وذائقة أدبية، وتمنح طالباتها ما يتجاوز المنهج إلى أفقٍ أوسع من التفكير والوعي.
وفي حياتها الخاصة، اقترنت بالفنان التشكيلي علي غالب الشعلان، فكان زواجًا بين الكلمة واللون، بين الأدب والتشكيل. وأنجبت أبناءها ملهم وكميت، وابنتها دعد، وكان ابنها الأكبر ملهم الملائكة امتدادًا آخر لصوت العائلة في الحقل الثقافي والإعلامي.
أما في ميدان التأليف والترجمة، فقد تركت إحسان الملائكة بصمتها الواضحة، إذ اتجهت إلى نقل تجارب إنسانية وثقافية متعددة إلى العربية، وكتبت أعمالًا تجمع بين البحث والتقديم والتأمل. فمن “أعلام الكُتّاب الإغريق والرومان” إلى كتابها عن جلال الدين الرومي الذي قدّمته بصيغة “صائغ النفوس”، ثم دراساتها في الأدب السويدي، وملامح الأدب التركي، وسيرتها عن بابلو بيكاسو، وصولًا إلى ترجمتها للرواية السوفيتية “أحلام تانيا”، كانت تتحرك في فضاءٍ واسع، لا تحدّه لغة واحدة ولا ثقافة بعينها.
ومع ذلك، بقي في جعبتها ما لم يُنشر، من دراسات عن الأدب الإنكليزي، وبحوثٍ عن أبو العلاء المعري، وتأملات في شعر المتنبي، وهي أعمال تشير إلى عمق اشتغالها وامتداد اهتمامها عبر العصور.
منذ خمسينيات القرن العشرين، أخذت تنشر أبحاثها ودراساتها في المجلات والصحف العربية، وظلّت على هذا العهد حتى السنوات الأخيرة من حياتها، محافظةً على حضورها الثقافي حتى عام 2009، قبل أن تغادر عالمها في بغداد في الثالث والعشرين من نيسان عام 2010.
هكذا تبدو سيرة إحسان الملائكة: حياةٌ لم تكن صاخبة، لكنها كانت عميقة؛ لم تكن تبحث عن الضوء، لكنها كانت تصنعه بهدوء. عاشت بين الكلمة والصورة، بين التعليم والبحث، بين الترجمة والإبداع، فكانت جسرًا إنسانيًا يربط بين ثقافات متعددة، وصوتًا هادئًا في أسرةٍ عُرفت بعلوّ أصواتها الشعرية.