عرفان الداوودي
مقولة المهاتما غاندي ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي ميزان أخلاقي يُقاس به صدق الانتماء ونقاء الضمير. حين قال: “إن الإنسان يفقد شرفه عندما يتنعم بخيرات بلده وولاءه وانتماءه إلى دول أخرى”، كان يضع إصبعه على جرحٍ عميق تعاني منه كثير من الشعوب، وفي مقدمتها العراق اليوم.
العراق بلدٌ حباه الله بخيراتٍ لا تُعدّ ولا تُحصى: نفط، أرض، ماء، تاريخ، وعقول. لكن المفارقة المؤلمة أن من يتصدّرون المشهد السياسي فيه، كثيرٌ منهم يعيشون ازدواجية الولاء؛ يتمتعون بخيرات الوطن، بينما ترتبط قراراتهم ومصالحهم وولاءاتهم بجهاتٍ خارج حدوده. وهنا تضيع الكرامة الوطنية، ويُهدر الشرف السياسي الذي ينبغي أن يكون أساس المسؤولية.
الإسلام، قبل غاندي بقرون، حذّر من هذه الازدواجية والخيانة المعنوية. يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
والمنصب في جوهره أمانة، والوطن أمانة، والشعب أمانة. فكيف يُؤتمن من يمدّ يده إلى خيرات بلده، بينما قلبه وعقله مرتهنان لغيره؟
وفي حديث النبي ﷺ:
“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”،
والمسؤول هنا ليس راعياً عادياً، بل هو راعٍ لمصير شعبٍ كامل. فإذا خان، لم يخن فرداً، بل خان أمةً بأكملها.
إن المسؤول الذي يفضّل مصالحه الشخصية أو ارتباطاته الخارجية على مصلحة وطنه، لا يفقد فقط ثقة الناس، بل يفقد احترامه لنفسه قبل كل شيء. لأن الشرف الحقيقي لا يُقاس بما يملكه الإنسان من مالٍ أو نفوذ، بل بما يحمله من صدق وانتماء.
اليوم، ما يعانيه المواطن العراقي من أزمات—من انقطاع الكهرباء، وشحة الخدمات، وارتفاع الأسعار—ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لغياب الإخلاص في إدارة ثروات البلد. ولو وُجدت النية الصادقة والولاء الحقيقي، لتحوّلت هذه الخيرات إلى رفاهٍ وعدالة، لا إلى معاناةٍ يومية.
إن مقولة غاندي يجب أن تُكتب لا على الورق فقط، بل على جدران ضمائر المسؤولين:
من أراد أن يتنعم بخيرات العراق، فعليه أولاً أن يكون عراقياً في ولائه، مخلصاً في قراره، صادقاً في خدمته.
وغير ذلك، فهو انتفاع بلا شرف… وسلطة بلا كرامة؟