الصحافة الكردية  .. من كردستان إلى فضاء الإعلام العالمي ومسيرة الكلمة الحرة

د. عصام البرّام

تُعد ذكرى تأسيس الصحافة الكردية مناسبة ثقافيةوتاريخية بالغة الأهمية، إذ تمثل انطلاقة الوعي الإعلاميالمكتوب لدى الشعب الكردي، وتعبّر عن بداية مرحلة جديدةمن التعبير عن الهوية واللغة والقضايا الاجتماعيةوالسياسية. تعود هذه البداية إلى صدور أول صحيفة كرديةحملت اسم كردستان في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدًا في عام 1898، على يد الأمير والمثقف الكرديمقداد مدحت بدرخان، الذي يُعد من أبرز رواد النهضةالثقافية الكردية الحديثة.
لم يكن إصدار صحيفة كردية في ذلك الوقت أمرًا بسيطًا، بل كان خطوة جريئة في ظل ظروف سياسية معقدة، حيثكانت المناطق الكردية موزعة بين إمبراطوريات ودولمتعددة، أبرزها الدولة العثمانية، التي فرضت رقابة صارمةعلى النشر والتعبير. ولهذا السبب، صدرت الصحيفة الأولىخارج كردستان، وتحديدًا في القاهرة، حيث كانت البيئةالثقافية أكثر انفتاحًا نسبيًا، ما أتاح لبدرخان أن يعبّر عنأفكاره بحرية أكبر، وأن يخاطب جمهورًا كرديًا واسعًا فيالداخل والخارج.
جاءت صحيفة كردستان لتؤدي دورًا مزدوجًا، فهي من جهةوسيلة إعلامية تنقل الأخبار وتناقش القضايا، ومن جهةأخرى أداة ثقافية تسعى إلى إحياء اللغة الكردية وتعزيزاستخدامها في الكتابة والتواصل. وقد كُتبت الصحيفةباللهجة الكرمانجية، وكانت تُطبع وتُوزع سرًا في كثير منالأحيان، نظرًا لحساسيتها السياسية. هذا الجهد الإعلاميالمبكر أسّس لوعي جمعي جديد لدى الكرد، وجعل منالصحافة وسيلة للنضال السلمي والتعبير عن الهوية.
برز في الجيل الأول من الصحافة الكردية عدد منالشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا في تطوير هذاالمجال، ومن بينهم أفراد من عائلة بدرخان الذين ساهموابشكل مباشر في استمرار إصدار الصحيفة ونشر الفكرالتنويري. كما يمكن الإشارة إلى عبد الرحمن بدرخان الذيواصل المسيرة الإعلامية، وشارك في تحرير ونشر المقالاتالتي تناولت قضايا التعليم واللغة والسياسة. كذلك برزجلادت بدرخان لاحقًا كأحد أهم أعلام تطوير اللغة الكردية، حيث ساهم في وضع الأبجدية اللاتينية للكردية، وكان لهدور كبير في إصدار مجلات وصحف لاحقة.
لم تقتصر أهمية الصحافة الكردية على الجانب الثقافيفقط، بل لعبت دورًا سياسيًا واضحًا، إذ كانت منبرًا لطرحمطالب الكرد والدفاع عن حقوقهم في مختلف المراحلالتاريخية. ومع تطور الأحداث في المنطقة، خاصة بعدالحرب العالمية الأولى، وما تلاها من إعادة رسم للحدودالسياسية، أصبحت الصحافة الكردية أكثر ارتباطًابالقضايا القومية، وساهمت في توثيق التحولات السياسيةوالاجتماعية التي شهدتها المناطق الكردية.
في العقود اللاحقة، تطورت الصحافة الكردية من حيثالشكل والمضمون، فظهرت مجلات أدبية وثقافية وصحفسياسية في مدن مختلفة مثل دمشق وبغداد وإسطنبول، رغم استمرار التحديات والقيود. وقد ساهمت هذهالإصدارات في خلق نخبة فكرية كردية، استطاعت أنتطرح قضايا التعليم والمرأة والحداثة، وأن تربط بين التراثالكردي ومتطلبات العصر.
ومع دخول القرن العشرين، شهدت الصحافة الكرديةتحولات كبيرة، خاصة مع ظهور وسائل إعلام جديدة مثلالإذاعة والتلفزيون، ثم لاحقًا الإعلام الرقمي. ومع ذلك، بقيت الصحافة المكتوبة تحتفظ بمكانتها كمرجع تاريخيوثقافي، يوثق مسيرة الشعب الكردي وتطلعاته. وقد برزتأسماء جديدة في هذا المجال، لكنها استندت في عملها إلىالإرث الذي تركه الرواد الأوائل.
إن الدور الإعلامي للصحافة الكردية لا يمكن فصله عنالسياق الاجتماعي والسياسي الذي نشأت فيه، فهي لمتكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل كانت أداة للتغيير وبناءالوعي. وقد ساهمت في الحفاظ على اللغة الكردية فيفترات كانت فيها مهددة بالتهميش، كما لعبت دورًا فيتعزيز الهوية الثقافية والانتماء القومي.
في الوقت الحاضر، ومع انتشار الإنترنت ووسائل التواصلالاجتماعي، دخلت الصحافة الكردية مرحلة جديدة منالانفتاح والتأثير، حيث أصبحت تصل إلى جمهور أوسع، وتشارك في النقاشات العالمية حول حقوق الشعوبوالثقافات. ومع ذلك، لا تزال تواجه تحديات تتعلق بحريةالتعبير والتمويل والاستقلالية، وهي قضايا مشتركة معالعديد من وسائل الإعلام في العالم.
إن إحياء ذكرى تأسيس الصحافة الكردية ليس مجرداحتفال بتاريخ مضى، بل هو تأكيد على أهمية الكلمة الحرةودورها في بناء المجتمعات. كما أنه فرصة لتكريم الروادالذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا الصرح الإعلامي، والذينآمنوا بأن الصحافة يمكن أن تكون وسيلة للنهوض والتغيير. ومن خلال استذكار جهودهم، يمكن للأجيال الجديدة أنتستلهم قيم العمل الثقافي والإعلامي، وأن تواصل المسيرةبروح من المسؤولية والإبداع.
وهكذا، تبقى الصحافة الكردية شاهدًا حيًا على تاريخطويل من النضال الثقافي والإعلامي، ومسارًا مستمرًا نحوتحقيق مزيد من الحرية والتعبير، في عالم تتغير فيهالوسائل، لكن تبقى فيه الكلمة الصادقة أساس كل نهضةحقيقية.
يمكن توسيع النظر إلى مسيرة الصحافة الكردية من خلالالتوقف عند التحولات العميقة التي شهدتها في النصفالثاني من القرن العشرين، حيث دخلت مرحلة أكثر تعقيدًامن حيث التحديات والفرص في آن واحد. ففي هذه الفترة، ومع تصاعد الحركات القومية في المنطقة، أصبحتالصحافة الكردية أكثر ارتباطًا بالعمل السياسيوالتنظيمي، وأخذت على عاتقها مهمة التعبير عن تطلعاتالشعب الكردي في الحرية والاعتراف الثقافي واللغوي. وقدأدى ذلك في كثير من الأحيان إلى تعرّض الصحفيين الكردللملاحقة والرقابة، بل وحتى المنع، خاصة في الدول التيكانت تنظر إلى النشاط الإعلامي الكردي بعين الريبة.
رغم هذه الظروف، استمرت الإصدارات الكردية فيالظهور، سواء في الداخل أو في المنافي، حيث لعبتالجاليات الكردية في أوروبا دورًا مهمًا في الحفاظ علىاستمرارية العمل الصحفي. فقد أُنشئت مجلات وصحفجديدة اعتمدت على تقنيات حديثة في الطباعة والنشر، واستفادت من هامش الحرية المتاح في تلك البلدان، ماسمح بطرح قضايا أكثر جرأة، سواء على المستوىالسياسي أو الثقافي. كما شهدت هذه المرحلة تنوعًا فياللهجات المستخدمة في الكتابة، وهو ما يعكس التعدداللغوي داخل المجتمع الكردي، ويعزز من ثراء التجربةالإعلامية.
ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، دخلت الصحافة الكردية عصر الإعلام الرقمي، حيث ظهرتمواقع إلكترونية ومنصات إخبارية تبث بلغات متعددة، وتخاطب جمهورًا عالميًا. هذا التحول لم يغيّر فقط من شكلالوسيلة الإعلامية، بل أعاد تعريف دور الصحفي الكردي، الذي أصبح مطالبًا بمواكبة التطورات التكنولوجية، والتفاعلمع جمهور سريع التغير. كما أتاح هذا الانفتاح فرصة أكبرلتوثيق التراث الكردي ونشره، سواء من خلال المقالات أوالصور أو المواد المرئية.
في هذا السياق، يمكن القول إن الصحافة الكردية لم تعدمجرد وسيلة محلية، بل أصبحت جزءًا من الفضاء الإعلاميالعالمي، تسهم في نقل صورة أكثر وضوحًا عن المجتمعالكردي وقضاياه. ومع استمرار التحديات، يبقى الرهانقائمًا على قدرة هذه الصحافة على التكيف مع المتغيرات، والحفاظ في الوقت نفسه على رسالتها الأساسية التيانطلقت منها مع صدور كردستان، وهي الدفاع عن الكلمةالحرة وخدمة الحقيقة.
 

 

قد يعجبك ايضا