الاقتصادات تُبنى قبل الأزمات

نهاد الحديثي

اكد خبراء اقتصاد ومحللون في تقرير لمؤسسة (AGBI) أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما ترتب عليها من تعطيل لصادرات النفط عبر مضيق هرمز، قد كشفت عن نقاط ضعف هيكلية قديمة في الاقتصاد والنظام السياسي العراقي، ما يعيد فرض إصلاحات اقتصادية قاسية مؤجلة منذ سنوات إلى الواجهة، مشيرين إلى أن الأمن والاستقرار السياسي سيحددان مستقبل اقتصاد البلاد.
وذكرت مجلة واشنطن ريبورت انه عندما أُعلنت رؤية 2030، لم يكن التحدي في صياغة طموح كبير، بل في نقطة الانطلاق نفسها. اقتصاد يعتمد بشكل كبير على النفط، حيث شكّلت الإيرادات النفطية آنذاك ما يقارب 80% إلى 90% من إيرادات الدولة، وكان القطاع النفطي يمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي. في ذلك النموذج، كان الاقتصاد قويًا عندما ترتفع أسعار النفط، لكنه يصبح أكثر عرضة للتأثر عندما تنخفض, وهذا ما حدث بالفعل بين عامي 2014 و2016، حين تراجعت أسعار النفط إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل. في تلك الفترة، تباطأ النمو الاقتصادي بشكل واضح، وسجلت المالية العامة عجزًا تجاوز 13% من الناتج المحلي، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الاقتصاد الحديث للبلاد. لم تكن المشكلة في الأزمة نفسها، بل في محدودية الخيارات أمام اقتصاد يرتكز على مصدر واحد.

الاقتصادات لا تُبنى وقت الأزمات، بل قبلها, الأزمات الاقتصادية لا تكشف فقط هشاشة الأنظمة، بل تكشف الإنسان ذاته”، عجز الاقتصاد عن حماية الأفراد يجعل القلق المحرك الأساسي للسلوك، فيتحول من استجابة واعية إلى رد فعل تحكمه الضغوط اليومية , نحن بحاجة ماسة لاكاديميين يقودون المرحلة المقبلة بعد الحرب بتنوع مصادر الدخل ومكافحة السرقة والفساد وتاجيل المشاريع الكبرى وامتصاص الصدمات والقدرة على اتخاذ قرارات كان من الصعب اتخاذها في سياقات تقليدية. تسريع الإصلاحات، فتح قطاعات جديدة، إعادة هيكلة الاقتصاد، وبناء بيئة استثمارية مختلفة… كلها خطوات لم تكن سهلة، لكنها حاسمة. ولهذا، فإن ما نراه اليوم ليس نتيجة ظرف مؤقت، بل نتيجة رؤية قررت أن تتغير قبل أن تُفرض عليها الظروف.
خبراء يؤكدون ان الأزمات في العراق لم تغيّر شكل الحياة فحسب، بل أعادت تعريف مفاهيم الكرامة والعيب والعلاقة بين الفرد والمجتمع، مشيراً إلى أن الإنسان لم يعد يسعى للحفاظ على صورته بقدر ما يسعى للحفاظ على توازنه النفسي في مواجهة واقع ضاغط.
وتُظهر أحدث بيانات وزارة التخطيط العراقية، الصادرة عام 2025 ضمن المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، أن نسبة الفقر في البلاد تبلغ نحو 17.5%، مع تسجيل معدلات أعلى في المناطق الأكثر هشاشة. كما تشير تقديرات البنك الدولي والجهاز المركزي للإحصاء العراقي إلى أن معدلات البطالة تتراوح بين 14% و16%، وترتفع بشكل ملحوظ بين فئة الشباب.

قد يعجبك ايضا