كاوه عارب عمر
تُعدّ عملية عنتيبي في أوغندا عام 1976 واحدة من أبرز العمليات العسكرية الخاصة في تاريخ إسرائيل، إذ نفّذت عملية إنقاذ جريئة وعالية الخطورة لتحرير رهائن من المواطنين الإسرائيليين واليهود الذين كانوا محتجزين في مطار عنتيبي.
جاءت هذه العملية عقب اختطاف طائرة تابعة لشركة “إير فرانس” من قبل عناصر مسلحة مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى جانب مجموعة ألمانية متطرفة تُعرف بـ”الجيش الأحمر الألماني”. وتعكس هذه الحادثة، في جانب منها، دور بعض الدول في دعم حركات فلسطينية، ليس بالضرورة انطلاقًا من إيمان بقضيتها، بل بدوافع ومصالح سياسية خاصة. كما تكشف عن تعقيدات العلاقات الدولية والتحولات السياسية التي سبقتها، ولا سيما العلاقة بين أوغندا وإسرائيل في عهد عيدي أمين، الذي توفي لاحقًا في المملكة العربية السعودية.
في بدايات حكمه، لم يكن عيدي أمين خصمًا لإسرائيل، بل حظي بدعمها، حيث ساعدته في الوصول إلى السلطة في أوغندا عام 1971، وقدّمت له مساعدات عسكرية وزراعية وتنموية، شملت تدريب القوات وإرسال الأسلحة، وذلك في إطار سعي إسرائيل لتعزيز نفوذها في إفريقيا. وقد استندت هذه السياسة إلى ما عُرف بعقيدة “تحالف المحيط”، التي وضع أسسها دافيد بن غوريون، وهدفت إلى بناء علاقات مع دول وشعوب غير عربية في العالم الإسلامي.
غير أن هذه العلاقة لم تدم طويلًا، إذ شهدت تدهورًا حادًا مع مرور الوقت، خاصة بعد أن شعر عيدي أمين بأن إسرائيل لم تعد تقدّم له الدعم الذي كان يتوقعه. وقد بلغ التوتر ذروته عندما طلب من إسرائيل تزويده بطائرات ومعدات عسكرية لخوض حرب ضد تنزانيا، فقوبل طلبه بالرفض، ما دفعه إلى الغضب والتوجه نحو تحالفات جديدة، أبرزها مع معمر القذافي والاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية، التي قدّمت له دعمًا ماليًا وسياسيًا، الأمر الذي أدى إلى إعادة تموضع أوغندا ضمن معسكر معادٍ لإسرائيل.
في هذا السياق، وقعت حادثة اختطاف طائرة “إير فرانس” في 27 يونيو 1976. وكانت الرحلة متجهة إلى باريس، مع توقف مؤقت (ترانزيت) في أثينا. وتمكن أربعة أشخاص—اثنان منهم من عناصر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واثنان من ألمان ينتمون إلى جماعة “الجيش الأحمر”—من الصعود إلى الطائرة في أثينا، ثم قاموا باختطافها بعد إقلاعها، وتوجيهها إلى مطار عنتيبي في أوغندا. وهناك، لعب نظام عيدي أمين دورًا في دعم الخاطفين وتوفير الحماية لهم، وهو ما يمكن تفسيره جزئيًا كرد فعل سياسي على تدهور علاقاته مع إسرائيل.
ردّت إسرائيل بإرسال وحدة خاصة تُعرف بـ”سييرت متكال”، التي تأسست على يد الضابط أبراهام أرنان عام 1957، وعُرفت في مراحل مختلفة باسمَي الوحدة 269 و262، وتتخذ شعارًا لها: “الجريء هو الذي ينتصر”. وقد نجحت القوة في تنفيذ عملية إنزال ليلي في مطار عنتيبي، مستخدمة سيارات “مرسيدس” مشابهة لموكب الرئيس عيدي أمين، في محاولة لخداع القوات الأوغندية.
أسفرت العملية عن مقتل الخاطفين وتحرير 103 رهائن. كما اندلعت اشتباكات مع القوات الأوغندية في المطار، أدت إلى مقتل قائد العملية، يوناتان نتنياهو، أثناء تنفيذ المهمة، ليصبح لاحقًا رمزًا عسكريًا في الذاكرة الإسرائيلية. ولم يقتصر أثر العملية على ذلك، بل قام الجيش الإسرائيلي أيضًا بتدمير 11 طائرة مقاتلة من طراز “ميغ-17” سوفيتية الصنع، ما شكّل نحو ربع القوة الجوية الأوغندية آنذاك.
وقد تجاوز تأثير هذه العملية حدودها العسكرية، ليشكّل جزءًا من الوعي الأمني والسياسي في إسرائيل، وخصوصًا في مسيرة شقيق يوناتان الأصغر، بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الحالي. ويُعد نتنياهو من أبرز الشخصيات السياسية في إسرائيل، حيث شغل منصب رئاسة الوزراء لعدة فترات، ويُعد من أطول القادة بقاءً في هذا المنصب. وُلد عام 1949، وتلقى جزءًا من تعليمه في الولايات المتحدة، كما خدم في وحدة النخبة نفسها. وتتميّز مسيرته السياسية بتركيز قوي على قضايا الأمن القومي، ومواجهة التهديدات الإقليمية، لا سيما ما يصفه بـ”الخطر الإيراني”.
عملية عنتيبي: نقطة تحوّل في العقيدة الأمنية والعسكر
جاءت عملية عنتيبي في سياق أزمة حادة، حيث تم فصل الرهائن الإسرائيليين واليهود عن باقي الركاب، في مشهد استحضر ذاكرة تاريخية مؤلمة لدى الشعب اليهودي، مرتبطة بعمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها على أيدي النازيين. وعلى الرغم من محدودية المعلومات وضيق الوقت لدى إسرائيل آنذاك، نجحت في خداع الخاطفين عبر إبداء الاستعداد للقبول بشروطهم، والمتمثلة بالإفراج عن سجناء فلسطينيين مقابل إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، وذلك بهدف كسب الوقت والاستعداد لتنفيذ عملية عسكرية لتحريرهم.
وقد قررت إسرائيل تنفيذ عملية عسكرية بدلًا من الرضوخ لمطالب الخاطفين، حيث نجحت خلال أقل من ساعة في القضاء على الخاطفين وتحرير الرهائن. غير أن هذا النجاح جاء بثمن، تمثل في مقتل قائد العملية، يوناتان نتنياهو، الذي أُطلقت العملية لاحقًا باسمه “عملية يوناتان” تخليدًا لذكراه.
لم تكن هذه العملية مجرد نجاح عسكري، بل تحولت إلى رمز لعقيدة تقوم على التدخل الاستباقي، ورفض التفاوض تحت الضغط، والاعتماد على القوة لإنقاذ المواطنين. وقد أسهمت في ترسيخ نهج “القتل المستهدف”، كما ظهر في عمليات لاحقة مثل اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وحسن نصرالله في بيروت. كما تبنّت إسرائيل ما يُعرف بـ“عقيدة هانيبال”، التي تقوم على استخدام جميع الوسائل المتاحة لإفشال عمليات اختطاف الجنود الإسرائيليين، حتى لو أدى ذلك إلى مقتل الجندي المختطف نفسه.
من عنتيبي إلى طهران: الامتداد السياسي وعقيدة بقاء ثابتة وممنهجة
يرى العديد من المحللين أن تجربة عملية عنتيبي، وما رافقها من فقدان شخصي لبنيامين نتنياهو لأخيه، ساهمت في تشكيل رؤيته للعالم، لا سيما فيما يتعلق بمفهوم “التهديد الوجودي”. وفي هذا السياق، يمكن فهم خطابه المتكرر حول اعتبار إيران التهديد الأكبر لإسرائيل. ومن هنا، يمكن تحليل شخصيته السياسية واستشراف مسار الصراع الحالي بوصفه امتدادًا لما يمكن تسميته بـ“من عنتيبي إلى طهران”، وهو تعبير يصف الامتداد الرمزي بين تلك العملية العسكرية والسياسات الراهنة التي تركز على منع التهديدات قبل أن تتحول إلى واقع.
فكما واجهت إسرائيل في عنتيبي خطرًا مباشرًا، يرى نتنياهو أن التهديدات القادمة من إيران تتطلب نهجًا مشابهًا، يقوم على التحرك السريع، والردع، والعمل الاستخباراتي، وربما تنفيذ عمليات استباقية باستخدام مختلف الوسائل لإنهاء التهديد. وهنا يبرز تساؤل مهم: هل يمكن أن يصل الأمر إلى حد استخدام أسلحة غير تقليدية، مثل السلاح النووي، لمواجهة ما يُنظر إليه كتهديد وجودي؟
بين الماضي والحاضر: دروس عنتيبي وتحديات اليوم
إن العلاقة بين عملية عنتيبي ومسيرة بنيامين نتنياهو لا تقتصر على البعد العائلي فحسب، بل تمتد لتشكل أساسًا لعقيدة سياسية وأمنية ما تزال حاضرة حتى اليوم. وبين الماضي والحاضر، تظل هذه العملية مثالًا على كيفية تحوّل حدث عسكري إلى مرجعية استراتيجية تؤثر في قرارات دولة إسرائيل وسياساتها الإقليمية.
وفي ظل استمرار التوترات والصراعات في الشرق الأوسط، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لعقيدة “عنتيبي” أن تستمر كإطار لفهم التحديات الجديدة، أم أن طبيعة الصراعات المعاصرة تفرض تبني مقاربات مختلفة.