سمير السوره ميري
عندما تضيق فسحة اليقين، يقف الإنسان بين رؤيتين للمستقبل، رؤية تدبّر وأُخرى تبصّر، رؤية التدبّر تُحسن هندسة الواقع وفق المعطيات، تقرأ الأرقام، وتتبع الإتجاهات، وتراهن على الأكثر ترجيحا، عالمها أكثر وضوحا، ومعيارُها القياس، وتنظر إلى المستقبل بوصفه مشروعا قابلا للضبط خطا مستقيما، له بداية ونهاية، غير أن الحقيقة أعمق غورا، فحين يكون موضوع النظر هو الإنسان بأغواره، قد ينجح هذا النمط في المدى القريب عبر تخطيط آنيّ، خاصة إذا ننظر إلى المستقبل إمتداد للحاضر، وتوهمت إستمراريته، لكن في اللحظات التي تبدد فيها المعاير، تبهت هذه الرؤية وتُشل حركتها، إذ تُحاصر بإحتمالات راجحة صيغت وفق معادلات حسابية صمّاء.
في الجانب الآخر من الحقيقة، تقف رؤية التبصّر رؤية تقرأ الواقع بمنظار يلتقط التحولات الخفية في النفوس وأعماقها، ولا تخدع بثبات المسار الظاهري، إنها لا تطمئن إلى الاستقرار السطحي، بل تُقيم في قلق السؤال: ماذا؟ وكيف؟ومتى؟ قلق ليس إضطرابا، بل حكمة تُبصِر أن الأفق لا يحفظ إلا بمرونة الفهم واتساع التأويل.
ثمة من يقرأ المستقبل بعين الحساب، وثمة من يقرؤه بعين البصيرة، غير أن الرؤية الأتم هي التي تجعل من الحساب خادما للبصيرة لا سيدا عليها، فتظل في سؤال دائم: ما الذي يمكن أن يتغير فجأة؟وكيف يفهم المسار العام حين تتبدل التفاصيل.
لقد جعل أفلاطون القيادة بيد “الفيلسوف الملك”، إذ رأى أن الحكمة معرفة الخير الأعلى، واعتبر أرسطو الحكمة قدرة على اِتخاذ القرار الصائب في ظل ظروف متغيرة، أما ابن خلدون فرأى الحكمة فهما عميقا لطبائع البشر ودورات العمران لا تأملا مجردا، وأكد فرانسيس بيكون “المعرفة قوة”، رابطا الحكمة بالقدر على توظيف المعرفة، في إدارة الواقع وتوجيهه، ومن تقاطعات هذه الرؤى، تتبدى الحكمة بوصفها المعنى الذي يمنح الإدارة وجهتها غايتها.
الخلاصة أن المستقبل لا يدرك بثبات الظاهر، بل بحكمة تُبصِر، ومهارة تُدبّر، فلا ينبغي الإطمئنان إلى إستقرار سطحي، قد تتغير فيه القيم وتتبدل مسارات الأفكار، إن مستقبل يُراقب بعين تسأل باِستمرار: ماذا سيحدث؟ ولماذه حدث؟ وبين السؤالين تتشكل القدرة على الفهم، وتبنى جدارة الفعل.