محمد علي محيي الدين
وُلد إبراهيم حلمي العمر في بغداد سنة 1890 في جانب الكرخ، في محلة سوق الجديد، ونشأ في بيئة بغداد القديمة التي كانت تمور بالحركة الفكرية والسياسية في أواخر العهد العثماني. وما إن بلغ سنَّ الدراسة حتى بدا ميله واضحاً إلى عالم الصحافة والكتابة، فكان وهو لا يزال طالباً في المدارس البغدادية يتردد على مكاتب الصحف ويخالط محرريها، حتى غدت الصحافة شغفه الأول. ولم تكن ظروفه المعيشية يسيرة، فكان كثيراً ما يترك مقاعد الدراسة ليعمل ويكسب ما يسد به حاجاته، غير أن ذلك لم يثنه عن متابعة القراءة والكتابة، بل صقل موهبته مبكراً وجعله معروفاً بين أصحاب الصحف والمهتمين بالشأن الثقافي.

وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى أخذ يراسل عدداً من الصحف والمجلات في مصر وبلاد الشام، فنُشرت مقالاته في مجلات وجرائد معروفة مثل لغة العرب البغدادية، واللواء، والمؤيد، والمقتبس، والمقتطف، والأهرام وغيرها. وكان نشاطه الفكري والسياسي متصلاً بالحركة الوطنية العربية في تلك السنوات، فانضم إلى جمعية النادي الوطني التي تأسست في بغداد سنة 1912، كما انخرط في حزب العهد السري الذي كان مركزه في الآستانة وله فروع في بغداد والموصل.
بدأ عمله الصحفي الفعلي محرراً في صحيفة الرياض الأسبوعية التي أصدرها الصحفي والأديب سليمان الدخيل سنة 1910، وهو رجل من القصيم في نجد استقر زمناً في بغداد. ولم يلبث أن توثقت العلاقة بينهما، فاشتركا في إصدار مجلة الحياة في كانون الثاني سنة 1912، وإن كانت بعض الروايات تذكر أن صدورها كان قبل ذلك بعامين.
كان قلم إبراهيم حلمي حاداً جريئاً، لا يتردد في نقد سياسة الدولة العثمانية، الأمر الذي جرّ عليه المتاعب. فقد أثارت مقالاته غضب السلطات، حتى إن والي بغداد جاويد بك استدعاه يوماً إلى ديوان الولاية، ولما وقف بين يديه أخذ يضربه بعصاه على مرأى من الناس عقاباً له على مقال كتبه ضد الاتحاديين. ولم يجد العمر بعد تلك الحادثة بداً من مغادرة بغداد إلى سوريا.
غير أن دمشق في تلك الأيام لم تكن أقل قسوة، إذ كان يحكمها جمال باشا المعروف ببطشه، وقد صدرت أحكام بالإعدام على جماعة من الوطنيين كان إبراهيم حلمي بينهم. لكنه نجا من المصير المحتوم بوساطات متعددة، قيل إن من بينها وساطة محمد كرد علي صاحب جريدة المقتبس، وقيل إن محمد صادق الأعرجي صاحب جريدة الرصافة توسط له لما كانت له صلة بجمال باشا، وقيل أيضاً إن مرضاً ألمّ به كان سبباً في إطلاق سراحه.
ومهما يكن من أمر تلك الروايات، فإن العمر لم يترك مهنة الصحافة. فقد عمل في جريدة المقتبس بدمشق، ثم عاد إلى بغداد سنة 1913 حيث تولى التحرير في جريدة النهضة التي صدرت بعد مؤتمر باريس الخاص بحقوق العرب في الدولة العثمانية، وكان صاحبها السياسي العراقي مزاحم الباججي. وكانت الجريدة ذات نزعة قومية واضحة، فسرعان ما عطلتها السلطات العثمانية، فغادر الباججي والعمر إلى البصرة واحتميا هناك بطالب النقيب.
ولم تتوقف ملاحقة السلطات له، إذ صدر قرار بنفيه إلى مدينة تبليسي في جورجيا. ويظهر من رسالة بعثها إلى صديقه الأب أنستاس الكرملي في 16 تشرين الأول 1914 أنه كان يستنجد به ليكتب إلى مطران الأرمن في تلك المدينة كي يعينه في منفاه. غير أن مسار الأحداث بعد ذلك يبدو مضطرباً في المصادر، إذ تشير بعض الروايات إلى أنه عاد إلى دمشق بعد سنة 1915.
وفي تلك السنوات المضطربة كان اسمه حاضراً في الصحافة البغدادية. فحين تولى نور الدين بك ولاية العراق سنة 1915 وأمر بإغلاق الصحف وإصدار جريدة حكومية جديدة باسم صدى الإسلام لمواجهة الصحيفة البريطانية الأوقات البصرية، شارك إبراهيم حلمي في تحريرها مع عدد من الأدباء والكتاب مثل جميل صدقي الزهاوي ومحمود الوادي وخيري الهنداوي وعطا الخطيب وعبد الرحمن البناء، إلى جانب بعض المحررين الأتراك. وقد صدر العدد الأول منها في 30 تموز 1915.
وبعد انتهاء الحرب وقيام الحكم العربي في دمشق بقيادة الأمير فيصل بن الحسين سنة 1920، أقام العمر في الشام وأصدر جريدة لسان العرب، وشاركه لاحقاً في تحريرها المؤرخ خير الدين الزركلي صاحب موسوعة الأعلام. وخلال إقامته هناك التقى المس بيل، التي كانت تتابع أحوال المنطقة وترفع تقاريرها إلى الحكومة البريطانية. وقد ذكرت في أحد تقاريرها أن الصحفي إبراهيم حلمي العمر كان يزورها أحياناً، وأنه يمتلك معرفة رفيعة باللغة العربية حتى إن الأب أنستاس الكرملي نفسه كان يثني على لغته. كما أشارت إلى أنه كان ميالاً إلى التعاون مع الإدارة البريطانية، وقد نشر في صحيفته مقالات مؤيدة لها، وكان يطمح إلى توسيع انتشار جريدته بدعم من السلطات في بغداد.
عاد إبراهيم حلمي العمر إلى العراق في 23 حزيران 1922 بعد أن تبدلت الأوضاع السياسية، ونقل جريدته لسان العرب من دمشق إلى بغداد، فجعل عددها البغدادي امتداداً لما صدر منها في الشام، مبتدئاً بالعدد (401).
وكانت افتتاحياته تمتاز ببلاغة الأسلوب وقوة الطرح، غير أن الجريدة لم تستمر طويلاً، فاستعاض عنها بإصدار جريدة المفيد سنة 1922.
اندفعت هذه الجريدة بقوة في مناصرة الحركة الوطنية العراقية، حتى أغلقتها السلطات البريطانية في 24 آب 1922، ونُفي صاحبها مع عدد من السياسيين إلى جزيرة هنجام. وكان السبب مقالاً نارياً نشره في افتتاحيتها بعنوان «سوق النخاسة في جنيف»، بينما تقول روايات أخرى إن عنوانه كان «تسقط إنكلترا». وقد جاء المقال في أعقاب تظاهرة سياسية كبيرة نظمها أعضاء الحزب الوطني العراقي وحزب النهضة، وكان المتظاهرون يهتفون ضد الانتداب البريطاني. وقد صادف مرور المندوب السامي بيرسي كوكس قرب المظاهرة، فأصدر قراراً بتعطيل الصحيفة والقبض على صاحبها ونفيه مع عدد من قادة الحركة الوطنية.
غير أن إبراهيم حلمي تمكن من الإفلات من الاعتقال واختفى عن الأنظار، ثم فر إلى إيران حيث أقام في طهران نحو سنتين قبل أن يعود إلى بغداد. حاول بعد عودته إعادة إصدار المفيد لكنه لم ينجح، فحصل صديقه الشاعر معروف الرصافي على امتياز إصدار جريدة الأمل وأسند تحريرها إليه فترة من الزمن. ثم التحق بجريدة نداء الشعب التي كانت لسان حال حزب الشعب بزعامة ياسين الهاشمي، وكتب فيها مقالات لاذعة ضد حكومة عبد المحسن السعدون الثانية بسبب المعاهدة العراقية البريطانية سنة 1926.
وحين تشكلت وزارة السعدون الثالثة ترك إبراهيم حلمي العمل الصحفي بسبب موقفه السابق من الحكومة، غير أن ذلك لم يمنع من تعيينه كاتباً من الدرجة الأولى في ديوان مجلس الوزراء. ثم أصبح وكيلاً لمديرية الدعاية والنشر، وكان من أوائل من شاركوا في البث الإذاعي في العراق، إذ قرأ أول نشرة إخبارية في البث التجريبي للإذاعة العراقية في الأول من تموز 1936. وبعد ذلك تولى إدارة الإذاعة ثم إدارة المطبوعات إلى أن فصل من وظيفته سنة 1940، وقيل سنة 1941.
وكان قد ابتعد عن إصدار الصحف أيضاً بسبب قرار حكومي أصدرته وزارة عبد المحسن السعدون يقضي بعدم منح امتياز إصدار صحيفة إلا لمن يحمل شهادة عليا، وهو شرط لم يتوفر فيه إذ لم يكمل دراسته الإعدادية، فسُحب منه امتياز جريدة المفيد على الرغم من مكانته المرموقة بين الصحفيين العراقيين.
ترك إبراهيم حلمي العمر آثاراً صحفية وفكرية متعددة، منها مشاركته في إصدار صحف مثل النهضة ولسان العرب والمفيد والشعب والجديد، كما ألف كتاباً بعنوان الثورة الإيطالية سنة 1913، وساهم في تحرير الدليل الرسمي العراقي لسنتي 1936 و1939.
وفي 12 كانون الثاني 1942 طويت صفحة حياته في بغداد. وقد تكفل رئيس الوزراء جميل المدفعي بنفقات دفنه، فيما قدم نوري السعيد مساعدة مالية لعائلته بلغت مئة وخمسين ديناراً. وكان قبل وفاته قد تبرع بسيارته القديمة ـ التي اشتراها من علي جودت الأيوبي ـ للمجاهدين في فلسطين، في لفتة أخيرة تعكس ما ظل يحمله من إحساس بالقضايا العربية حتى آخر أيامه.