الأوطان لا تُبنى بعقول الهادمين

أ.د.خليل مصطفى عثمان

تعد قاعدة “من يصلح للتدمير لا يصلح للتعمير” واحدة من أكثر المقولات الفلسفية والسياسية عمقاً في تشخيص أزمات التحول بالدول والمجتمعات، فهي لا تضع مجرد فوارق تقنية بين فعلين، بل ترسم حدوداً نفسية وفكرية فاصلة بين سيكولوجية الهدم وسيكولوجية البناء. فالفعل الأول، وهو التدمير أو الإسقاط، يتطلب روحاً متمردة، تعتمد على التجييش والعاطفة والقدرة على كسر القواعد القائمة، حيث يحتاج الهادم إلى رؤية حادة تركز على هدف واحد وهو إزالة العائق. أما التعمير، فهو عملية هندسية واجتماعية معقدة تتطلب رؤية بانورامية صبورة، وقدرة على استيعاب المتناقضات والتفاوض مع الواقع بدل الاصطدام به، وهو ما يفسر لماذا يجد “بطل الثورة” صعوبة بالغة في التحول إلى “رجل دولة” ناجح.
إن الإشكالية تكمن في أن القوى التي تصل إلى السلطة عبر أدوات الهدم غالباً ما تقع في فخ “المطرقة”، حيث تميل لرؤية كل مشكلة سياسية أو اقتصادية على أنها مسمار يجب طرقه، فتعجز عن استبدال أدوات المواجهة بأدوات الإدارة. وبدلاً من بناء المؤسسات التي تحتضن الجميع، تلجأ هذه القوى إلى إعادة إنتاج الصراع بحثاً عن أعداء جدد لتبرير وجودها، لأنها لا تجيد لغة البناء بقدر ما تجيد لغة التفكيك. فالتعمير يتطلب اعترافاً بالاختلاف وتكريساً للاستقرار، بينما التدمير يتغذى على الوحدة الصماء والاضطراب، مما يجعل العقلية التي أزاحت ركام الماضي تتحول بمرور الوقت إلى الركام الذي يسد طريق المستقبل.
تاريخياً، أثبتت تجارب دولية عديدة أن الأنظمة التي ولدت من رحم الانفجارات الراديكالية دون مشروع مدني تقني جاهز، انتهت إلى بناء دول هشة ومستنزفة. والسبب في ذلك هو الخلط بين الشرعية الثورية التي تستمد قوتها من فعل الإزاحة، وبين الشرعية الإنجازية التي تستمد قيمتها من القدرة على البناء وتقديم الخدمات.
إن الدولة الناجحة هي التي تدرك أن مرحلة الإزاحة هي “جراحة” ضرورية لكنها مؤقتة، وأن من قام بالجراحة ليس بالضرورة هو المؤهل لتخطيط حياة المريض المستقبلية أو إدارة شؤونه اليومية.
في الختام، إن التعمير ليس مجرد فعل مادي يتعلق بالأسمنت والحجر، بل هو ثقافة إنسانية غايتها رفاهية الفرد وحفظ كرامته. ومن اعتاد على رؤية الإنسان كوقود لمرحلة التدمير، سيجد صعوبة بنيوية في التعامل معه كغاية لمرحلة التعمير. لكي تنجو الأمم من فخ الدوران حول الأنقاض، لا بد من تسليم راية البناء لعقول تؤمن بالتراكم التاريخي لا بالقطيعة التامة، وبالقانون لا بالشعارات التعبوية، فبناء الأوطان يحتاج إلى عقول المهندسين والمفكرين، لا إلى سواعد الهادمين مهما كانت دوافعهم نبيلة في البداية.

قد يعجبك ايضا