من يملك قرار الحرب في العراق؟ سيادة مُقيّدة أم حماية دستورية من الانفراد؟

المحامي حمزه رشيد الصيداوي

في الدول المستقرة، يُفترض أن يكون قرار الحرب تعبيرًا عن السيادة الوطنية. لكن في العراق، يبدو أن هذا القرار لم يعد بيد جهة واحدة، بل أصبح محاطًا بسلسلة من القيود الدستورية التي تثير تساؤلًا مشروعًا: هل نحن أمام حماية للدولة أم تقييد لإرادتها؟

الدستور العراقي لعام 2005 لم يمنح السلطة التنفيذية حرية إعلان الحرب، بل قيّدها بإجراءات معقّدة تبدأ بطلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وتنتهي بموافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين. وقد جاء النص الدستوري واضحًا في هذا الإطار، إذ نصّت المادة (61/تاسعاً/أ) على أن:
“يوافق مجلس النواب على إعلان الحرب وحالة الطوارئ، بناءً على طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وبأغلبية الثلثين.”

ومن الناحية القانونية، فإن هذا النص يُجسّد مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة (47) من الدستور، ويكرّس في الوقت ذاته خضوع القرارات السيادية لرقابة السلطة التشريعية، بما يمنع احتكار القرار العسكري من قبل جهة واحدة.

كما أن اشتراط الأغلبية الموصوفة (ثلثي الأعضاء) يُعدّ تطبيقًا لفكرة الشرعية الدستورية المشددة في القرارات المصيرية، وهي قاعدة معمول بها في الأنظمة الديمقراطية عند اتخاذ قرارات تمس كيان الدولة أو وجودها.

ولا يقف الإطار القانوني عند هذا الحد، إذ أن إعلان الحرب يرتبط أيضًا بأحكام المادة (61/تاسعاً/ب) التي تُلزم بعرض حالة الطوارئ أو استمرارها على مجلس النواب خلال مدة محددة، مما يرسّخ مبدأ الرقابة اللاحقة والمستمرة على السلطة التنفيذية.

وعلى الصعيد الدولي، فإن العراق مقيّد بأحكام ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما المادة (2/4) التي تحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، والمادة (51) التي تجيز حق الدفاع الشرعي عن النفس، وهو ما يجعل إعلان الحرب خاضعًا لازدواجية الرقابة: داخلية دستورية، وخارجية دولية.

إن هذا التنظيم القانوني يعكس فلسفة دستورية واضحة تقوم على تحقيق التوازن بين ضرورات الأمن القومي وحماية النظام الديمقراطي من الانزلاق نحو القرارات الفردية. إلا أن هذا التوازن يظل محل نقاش فقهي وقانوني، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي قد تتطلب سرعة في اتخاذ القرار.

ويبقى التساؤل قائمًا من منظور قانوني بحت: هل نجح المشرّع الدستوري العراقي في بناء منظومة تضمن الحماية دون أن تُقيد الفاعلية، أم أن القيود الإجرائية قد تتحول في بعض الظروف إلى عائق أمام ممارسة الدولة لحقها في الدفاع عن سيادتها؟

قد يعجبك ايضا