سراب سعدي
في زمنٍ تتسارع فيه التغيرات وتتشابك فيه الأفكار، يبرز الحوار بوصفه ضرورة لا غنى عنها لبناء مجتمعات متماسكة وقادرة على التعايش. فالحوار ليس مجرد تبادل للكلمات، بل هو لغة العقلاء، وأداة أساسية لتحقيق التفاهم بين أفراد المجتمع، وعلامة واضحة على مستوى تقدّمه ورقيّه.
وتبدأ اللبنة الأولى لتعليم لغة الحوار من الأسرة، التي تعزّز روح التواصل والحوار والتفاهم بين أفرادها، ومنها ينطلق الفرد إلى المجتمع، فيصبح قادراً على إتقان لغة الحوار بصورة حضارية، بحيث يتمكن من تقبّل الرأي الآخر، ويناقش بشفافية دون تحيّز أو تزمّت، ويحاور الآخرين بثقافة واسعة، فيدير الحوار على أصول علمية وثقافية.
كما أن للمدارس دورها في ترسيخ لغة الحوار بشكلها الصحيح، ولوسائل الإعلام والاتصال كذلك دور مهم من خلال تقديم البرامج الثقافية والحوارية التي تجعل تقبّل لغة الحوار أمراً أكثر سهولة. وكما هو معروف، فإن ثقافة الحوار تقوم على مجموعة من القواعد السلوكية والمعرفية، وهدفها الأساسي هو تبادل الأفكار والآراء والمعلومات، فمن خلالها يتم تبادل المعارف، وحل النزاعات، ونبذ العنف، وقبول الآخر. ويمكن إدراج مزايا الحوار على شكل نقاط:
• التلاحم والتماسك الاجتماعي: فمن خلال الحوار البنّاء وفهم وجهات النظر، يصبح المجتمع أكثر تماسكاً وتلاحماً.
• تلاقح الأفكار: من خلال الحوار تتبادل الأفكار والآراء، وتُنقل الخبرات بين أجيال المجتمع.
• حل النزاعات: للحوار أهمية كبيرة، فمن خلاله يتم الوصول إلى حل النزاعات والكشف عن الملابسات الشائكة.
• الوصول إلى الحق: ويُعد من أهم مزايا الحوار، إذ يتحقق بالإقناع لا بفرض الرأي أو التزمّت في إصدار الأوامر.
بعد أن تعرّفنا إلى مزايا وأهمية الحوار، لا بد من توضيح أمر مهم، وهو الإيمان الحقيقي بالحوار، لا الإيمان النظري فقط، ويتم ذلك من خلال الممارسة الفعلية للحوار الثقافي والحضاري وعلى أسس معرفية دقيقة.
ولعل التواضع وعدم التكبر أثناء الحوار لهما آثار كبيرة في نجاح وإدارة الحوار، بالإضافة إلى الإصغاء والإنصات إلى المتكلم، وعدم التعصب للرأي، وتجنّب الاستفزاز والكذب والصراخ، لأن ذلك يجعل الحوار فوضى لا حواراً.
لا تسمو الأمم ولا تتطور إلا بتقبّل الرأي والحوار المبني على التسامح؛ ففي الشرائع السماوية كان الحوار سمة واضحة في إيصال الرسائل الربانية. ففي القرآن الكريم تبدو سمة الحوار واضحة من خلال تواصل أنبياء الله وحواراتهم مع أقوامهم، أما نبينا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) فقد كان يعلّم الناس لغة الحوار وتقبّل الرأي و التي قدّمت نموذجاً راقياً في النقاش القائم على الحكمة والتسامح.
وعندما يكون الحوار منهجاً ثابتاً في بناء الأمم، وفي شتى مجالات الحياة، فمن المؤكد أنها ستحقق الريادة والنجاح بين الأمم. فالحوار ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو معيار وعي المجتمعات، وبوابة عبورها نحو التقدم والاستقرار.