دراسة في مخارج الأصوات العربية وصفاتها

د. زينب عبد الزهره هادي

تُعد الأصوات اللغوية الأساس الذي يقوم عليه البناء اللغوي في أي لغة من اللغات، إذ تتشكل الكلمات والتراكيب من خلال انتظام هذه الأصوات وفق قواعد صوتية محددة. وقد اهتم علماء اللغة العربية منذ العصور الأولى بدراسة الأصوات وتحليلها، فكان لهم السبق في وضع أسس علم الأصوات قبل ظهور الدراسات اللسانية الحديثة بقرون طويلة. ويظهر هذا الاهتمام بوضوح في مؤلفات علماء العربية مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه وابن جني وغيرهم، حيث تناولوا مخارج الحروف وصفاتها وبيّنوا كيفية نطقها ومواقع خروجها من جهاز النطق الإنساني.

يشير مصطلح مخارج الأصوات إلى المواضع التي يخرج منها الصوت عند النطق بالحروف، أي المكان الذي يتشكل فيه الصوت نتيجة التقاء عضوين من أعضاء النطق أو تقاربهما. أما صفات الأصوات فهي الخصائص الصوتية الملازمة للحرف والتي تميزه عن غيره من الحروف، مثل الجهر والهمس والشدة والرخاوة والاستعلاء والاستفال وغيرها من الصفات التي تؤثر في طبيعة الصوت وكيفية نطقه.

لقد أولى علماء العربية أهمية كبيرة لدراسة المخارج والصفات لأن فهمها يساعد على النطق الصحيح للحروف، خاصة في تلاوة القرآن الكريم، كما يسهم في الحفاظ على سلامة اللغة العربية من اللحن والخطأ في النطق. لذلك ارتبط علم الأصوات في التراث العربي بعلم التجويد وعلم القراءات، حيث كان الهدف الأساس هو ضبط نطق الحروف وفق القواعد الصحيحة.

تنقسم مخارج الأصوات في اللغة العربية إلى عدة مخارج رئيسة تخرج منها الحروف العربية المختلفة. وقد حدد علماء التجويد خمسة مخارج عامة يندرج تحتها عدد من المخارج التفصيلية، وهي الجوف والحلق واللسان والشفتان والخيشوم. ويعد كل مخرج منها مسؤولاً عن إنتاج مجموعة معينة من الأصوات.

يعد الجوف من المخارج الرئيسة في اللغة العربية، وهو الفراغ الممتد من الحلق إلى الفم. وتخرج منه حروف المد الثلاثة وهي الألف والواو والياء المدية. وتتميز هذه الحروف بأنها أصوات لينة تعتمد في خروجها على امتداد النفس دون وجود احتكاك واضح بين أعضاء النطق.

أما الحلق فينقسم إلى ثلاثة أقسام هي أقصى الحلق ووسط الحلق وأدنى الحلق. ويخرج من أقصى الحلق حرفا الهمزة والهاء، ومن وسطه حرفا العين والحاء، ومن أدناه حرفا الغين والخاء. وتمتاز هذه الأصوات بأنها حلقية، أي أن مصدرها الرئيس يقع في منطقة الحلق.

ويعد اللسان من أهم أعضاء النطق وأكثرها إنتاجاً للأصوات في اللغة العربية، إذ تخرج منه معظم الحروف العربية. وقد قسم العلماء مخارج اللسان إلى عدة مواضع، مثل أقصى اللسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى، ومنه يخرج حرف القاف، ويليه مخرج الكاف، ثم مخارج حروف الجيم والشين والياء، ثم الضاد واللام والنون والراء، إضافة إلى مخارج حروف الطاء والدال والتاء، وأخيراً حروف الصاد والزاي والسين ثم الظاء والذال والثاء.

أما الشفتان فلهما دور مهم في إنتاج بعض الأصوات، إذ تخرج منهما حروف الفاء والباء والميم والواو غير المدية. وتتميز هذه الحروف بأنها شفوية تعتمد على حركة الشفتين في أثناء النطق.

ويُعد الخيشوم مخرجاً لصوت الغنة، وهي صفة صوتية تظهر بوضوح في حرفي النون والميم عندما يكونان مشددين أو في بعض أحكام التجويد. ويقع الخيشوم في أعلى الأنف ويعمل على إخراج الصوت الأنفي المصاحب للغنة.

إلى جانب دراسة المخارج، اهتم علماء العربية بدراسة صفات الأصوات التي تُعد من العناصر الأساسية في التمييز بين الحروف. وتنقسم الصفات إلى صفات لها ضد وصفات لا ضد لها.

من الصفات التي لها ضد الجهر والهمس. فالجهر هو انحباس النفس عند النطق بالحرف نتيجة اهتزاز الأوتار الصوتية، بينما الهمس هو جريان النفس عند النطق بالحرف لعدم اهتزاز الأوتار الصوتية. ومن الحروف المهموسة في العربية الفاء والحاء والثاء والهاء والشين والخاء والسين والكاف والتاء والصاد.

ومن الصفات كذلك الشدة والرخاوة. فالشدة تعني انحباس الصوت عند النطق بالحرف نتيجة إغلاق مجرى الهواء، مثل حروف أجد قط بكت. أما الرخاوة فهي جريان الصوت بسهولة عند النطق بالحرف مثل معظم الحروف الأخرى.

وتوجد صفة ثالثة بين الشدة والرخاوة تُعرف باسم التوسط أو البينية، وهي حالة وسطى بين انحباس الصوت وجريانه، ومن حروفها لن عمر.

ومن الصفات أيضاً الاستعلاء والاستفال. فالاستعلاء يعني ارتفاع أقصى اللسان عند النطق بالحرف نحو الحنك الأعلى، ومن حروفه خص ضغط قظ. أما الاستفال فهو انخفاض اللسان عند النطق بالحرف.

كما توجد صفات أخرى مثل الإطباق والانفتاح، حيث يحدث الإطباق عندما يلتصق اللسان بالحنك الأعلى في أثناء النطق بالحرف، مثل حروف الصاد والضاد والطاء والظاء.

إن دراسة مخارج الأصوات العربية وصفاتها تسهم في فهم البنية الصوتية للغة العربية، كما تساعد على إدراك الفروق الدقيقة بين الحروف المتقاربة في النطق. وقد استفاد علماء اللغة والقراء من هذه الدراسات في ضبط نطق الحروف وتحقيق الأداء الصحيح للنصوص العربية، خاصة في قراءة القرآن الكريم.

وتكشف هذه الدراسة كذلك عن مدى الدقة التي وصل إليها علماء العربية في تحليل الأصوات اللغوية، حيث استطاعوا تحديد المخارج والصفات بدقة كبيرة اعتماداً على الملاحظة والتجربة الصوتية، وهو ما يجعل التراث اللغوي العربي رائداً في مجال الدراسات الصوتية.

قد يعجبك ايضا