أمير الحلو… بين الصحافة والسياسة

محمد علي محيي الدين

وُلد أمير الحلو في مدينة النجف عام 1941، في بيتٍ عرف العلم والفكر والإصلاح، ونشأ في أسرةٍ كان لعددٍ من رجالها حضورٌ بارز في الحياة الدينية والوطنية، وأسهم بعضهم في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني. وفي ذلك المناخ المفعم بروح الوطنية والوعي، تشكلت شخصيته الأولى، فكان ميالًا إلى الثقافة والجدل الفكري والعمل العام منذ سنوات شبابه المبكرة.

ومع التحولات الكبرى التي شهدها العراق بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، انخرط أمير الحلو في النشاط السياسي والفكري، وانتمى إلى حركة القوميين العرب، متأثرًا بالموجة القومية التي اجتاحت الشارع العربي آنذاك، وظل قريبًا من هذا التيار حتى منتصف الستينيات، قبل أن تتبدل قناعاته السياسية تبعًا للمتغيرات التي عصفت بالبلاد والمنطقة.

وقد عُرف عنه حضوره الفاعل في الأوساط القومية العربية، حتى رُقي إلى عضوية الهيئة المركزية للحركة، وربطته علاقات بعدد من الشخصيات العربية البارزة، كما التقى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في إطار الحوارات التي دارت حول مشروع العمل العربي الموحد في تلك المرحلة المضطربة من تاريخ الأمة.

درس الاقتصاد في جامعة بغداد، ثم انتقل إلى القاهرة ليلتحق بمعهد التدريب الإذاعي، ليتخرج فيه عام 1966، جامعًا بين التكوين الأكاديمي والخبرة الإعلامية، وهو ما انعكس لاحقًا على أسلوبه الصحفي الذي امتاز بالرصانة والقدرة على المزج بين التحليل السياسي والنَفَس الأدبي.

بدأ عمله الصحفي في ستينيات القرن الماضي، وهي مرحلة كانت الصحافة العراقية فيها تعيش حراكًا فكريًا واسعًا وتنافسًا حادًا بين الاتجاهات السياسية والثقافية. وسرعان ما برز اسمه بوصفه صحفيًا يمتلك لغةً مختلفة وأسلوبًا خاصًا يجمع بين سلاسة التعبير وعمق الفكرة. عمل في عدد من الصحف والمجلات، وتدرج في مواقع تحريرية مهمة، حتى أصبح من أبرز الوجوه الصحفية العراقية في العقود اللاحقة.

شهدت تجربته في جريدة «القادسية» واحدة من أكثر مراحل حضوره المهني تأثيرًا، حين شغل منصب نائب رئيس التحرير، فأسهم في استقطاب أسماء أدبية وثقافية بارزة، وجعل من الجريدة منبرًا فاعلًا للحوار الثقافي والإبداعي خلال ثمانينيات القرن الماضي. كما تولّى لفترة رئاسة تحرير صحيفة «الجمهورية»، ثم تسلم رئاسة تحرير مجلة «ألف باء» بين عامي 1991 و2002، وهي المرحلة التي رسّخ فيها حضوره بوصفه واحدًا من أبرز كتّاب الصحافة العراقية وأكثرهم قدرة على صناعة المقالة ذات الطابع الأدبي والسياسي في آنٍ واحد.

ولم يكن أمير الحلو مجرد إداري صحفي، بل كان كاتبًا يمتلك أسلوبًا متفردًا، إذ كانت لغته مشبعة بالإيقاع الأدبي والصور البلاغية، قادرة على تحويل المقال الصحفي إلى قطعة نثرية نابضة بالحياة. لذلك عُدّ من أبرز كتّاب المقالة الصحفية في العراق، واحتفظ بخصوصية واضحة في طريقته بالتعبير، جعلته حاضرًا في ذاكرة القرّاء لعقود طويلة.

شارك في مؤتمرات عربية ودولية عديدة بحكم عمله الصحفي، فحضر مؤتمر قمة عدم الانحياز في كوبا عام 1979، كما حضر مؤتمر القمة العربي في عمّان عام 1987، وكتب مئات المقالات السياسية والاجتماعية والتحليلات التي تناولت الشأن العراقي والعربي منذ أوائل الستينيات. وكان من المؤازرين لإصدار جريدة «الوحدة» التي مثّلت آنذاك لسان حال الفكر القومي العربي في العراق.

وبعد عام 2003، اختار البقاء في العراق، مواصلًا عمله الصحفي وسط واقع جديد شديد الاضطراب. فتولى رئاسة تحرير جريدة «الجريدة»، وكتب زاوية صحفية في «الصباح الجديد»، محاولًا أن يحافظ على حضوره في المشهد الإعلامي رغم التحولات العاصفة التي شهدتها البلاد.

كما أصدر عددًا من الكتب، من أبرزها «نقاط الحبر الأخيرة»، الذي وثّق فيه جانبًا من أحداث أواخر الخمسينيات ومنتصف الستينيات، إلى جانب كتاب آخر تناول شخصيات تركت أثرًا في مسيرته الفكرية والصحفية، فجاءت كتاباته أشبه بشهادات على زمنٍ عراقي وعربي متقلب.

ومع ما امتلكه أمير الحلو من ثقافة واسعة وموهبة صحفية لافتة، فإن مسيرته لم تخلُ من الجدل، فقد رأى كثيرون أن تقلباته السياسية ومواقفه المتبدلة أضعفت شيئًا من صورته الأدبية والفكرية، لأن المثقف ـ في نظرهم ـ لا يُقاس بجمال اللغة وحدها، بل بثبات الموقف ووضوح الرؤية أيضًا. وقد أثار بقاؤه قريبًا من السلطة لسنوات طويلة، ثم محاولته التكيف مع الواقع الجديد بعد عام 2003، نقاشًا واسعًا بين مؤيد يرى فيه صحفيًا اضطرته ظروف المرحلة إلى المسايرة، ومعارضٍ عدّ ذلك تناقضًا مع المبادئ التي حملها في بداياته القومية.

ومهما اختلفت الآراء حول تجربته، فإن اسم أمير الحلو يبقى حاضرًا في تاريخ الصحافة العراقية بوصفه واحدًا من أبرز كتّابها وأكثرهم تأثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد عاش عمره بين السياسة والصحافة، وبين الحلم القومي وتقلبات الواقع العراقي، تاركًا خلفه إرثًا من المقالات والذكريات والشهادات التي توثق مرحلة صاخبة من تاريخ العراق الحديث.

توفي أمير الحلو في بغداد يوم الثاني من آذار عام 2015، بعد رحلة طويلة حافلة بالعمل الإعلامي والثقافي، ليبقى اسمه شاهدًا على جيلٍ من الصحفيين الذين صنعوا حضورهم بالكلمة، وعاشوا في قلب التحولات الكبرى التي مر بها العراق والعالم العربي.

قد يعجبك ايضا