رئيس التحرير
في الذكرى السابعة والأربعين لرحيل القائد الخالد ملا مصطفى البارزاني، تتجدد في الذاكرة صورة رجلٍ لم يكن مجرد قائد عسكري أو سياسي عابر في صفحات التاريخ، بل كان مدرسةً في الإيمان، والصبر، والتسامح، ورمزًا متجذرًا في وجدان شعبه وأمته. سبعة وأربعون عامًا مضت على غيابه الجسدي، غير أن حضوره الروحي والفكري ما زال حيًا في الضمائر، يرفد الأجيال بمعاني الثبات على المبادئ، والالتزام بالقيم، والإيمان بعدالة القضية.
وُلد البارزاني في بيئةٍ دينية محافظة، فتشرّب منذ نعومة أظفاره تعاليم الإسلام السمحة، ونهل من معين التصوف والتقوى، فكان رجل دينٍ قبل أن يكون رجل ثورة. لم يكن التدين عنده مظهرًا أو شعارًا، بل كان سلوكًا يوميًا وأخلاقًا عملية تجسدت في تواضعه، وعدالته، وزهده، وحلمه في أوقات الشدة. كان يرى في الدين قوةً أخلاقية تُهذّب النفس وتضبط مسار النضال، فلا ينحرف إلى ظلمٍ أو انتقام، ولا ينزلق إلى تعصبٍ أعمى. ولذلك ظلّ، حتى في أحلك الظروف، وفي أقسى مراحل الصراع، متمسكًا بقيم الرحمة والعفو، مؤمنًا بأن الحق لا يُنتصر له بالباطل.
وعلى الصعيد السياسي، كان البارزاني قائدًا استثنائيًا جمع بين الكاريزما الفطرية والحكمة المتأنية. لم يكن يسعى إلى السلطة لذاتها، بل كان يرى القيادة تكليفًا ومسؤولية تاريخية. قاد حركة تحرر شعب كردستان لعقودٍ طويلة، وتحمل في سبيل ذلك المنافي والمحن والحروب، دون أن يتخلى عن هدفه في نيل الحقوق المشروعة لشعبه ضمن إطار العدالة والشراكة الحقيقية. وقد تميّزت رؤيته السياسية بالواقعية والمرونة، فكان يدرك تعقيدات المنطقة وتشابك المصالح، ويتعامل معها بعقلٍ بارد وقلبٍ ثابت، محافظًا على خيط الحوار حتى في أوقات التصعيد.
لم يكن البارزاني قائد مواجهةٍ دائمة، بل كان رجل سلامٍ حين تتهيأ فرص السلام. آمن بالتعايش بين القوميات والأديان، ورأى في التنوع ثراءً لا تهديدًا. لم ينظر إلى الآخرين من زاوية الخصومة الدائمة، بل من زاوية الشراكة الممكنة. دعا إلى الأخوّة بين الشعوب، وإلى بناء جسور الثقة بدل حفر خنادق القطيعة. ولذلك، ظلّ اسمه مرتبطًا بفكرة التعايش السلمي، وبالقدرة على الجمع بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخر في آنٍ واحد.
لقد كان في شخصيته توازنٌ نادر بين صلابة المبدأ ورحابة الصدر. صلبٌ حين يتعلق الأمر بالحقوق والكرامة، ورحيمٌ حين يتعلق الأمر بالناس وأوجاعهم. كان قريبًا من البسطاء، يستمع إلى شكاواهم، ويشاركهم همومهم، ويحرص على أن يشعروا بأن قائدهم واحدٌ منهم، لا متعالٍ عليهم. تلك العلاقة العفوية بينه وبين شعبه لم تُصنع بالدعاية، بل بصدق الموقف وطهارة اليد ونقاء السيرة.
وفي ذكرى رحيله، لا نستحضر الماضي للبكاء عليه، بل لاستلهام معانيه. فالقائد الخالد لم يترك وراءه مجرد ذكريات، بل ترك إرثًا من القيم: الإيمان بالله، والثبات على الحق، والتمسك بالسلم متى كان ممكنًا، وعدم التفريط بالكرامة تحت أي ظرف. ترك وصيةً غير مكتوبة مفادها أن النضال الحقيقي هو الذي يسمو بالأخلاق، وأن القيادة الحقة هي التي تخدم شعبها لا تستثمره.
سبعة وأربعون عامًا، وما زال اسم ملا مصطفى البارزاني يتردد في المجالس والبيوت والميادين، رمزًا للثبات والتسامح، وعنوانًا لمرحلةٍ مفصلية في تاريخ كردستان. إن استذكار سيرته اليوم هو استذكار لقيمٍ نحن أحوج ما نكون إليها: وحدة الصف، تغليب المصلحة العامة، ونبذ الفرقة، والعمل من أجل مستقبلٍ يسوده السلام والتعايش.
رحم الله القائد الخالد، وأسكنه فسيح جناته، وجعل من ذكراه منارةً تهدي الأجيال إلى درب الكرامة، والإيمان، والسلام.