الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي
في اللحظات المفصلية من تأريخ الشعوب، لا يكون السؤال: من يتصدر المشهد؟ بل: من يملك الحكمة والشرعية والخبرة ليحفظ المسار ويمنع الانكسار؟ والشعب الكوردي اليوم، وسط تحولات داخلية دقيقة وتوازنات إقليمية معقدة، يحتاج إلى قيادةٍ تعرف كيف تُمسك الدفة بثبات، وكيف تعبر بالسفينة إلى برّ السلام دون أن تُفرّط بالثوابت أو تُغامر بالمكتسبات.
وفي هذا السياق، يبرز اسم فخامة الرئيس مسعود البارزاني بوصفه شخصيةً تمتلك من الرصيد النضالي والخبرة السياسية والمكانة الرمزية ما يؤهله ليكون مرجعيةً جامعةً في هذه المرحلة الحساسة.
لم يكن حضور مسعود البارزاني في تأريخ كوردستان المعاصر حضورًا عابرًا أو طارئًا، بل كان امتدادًا لمدرسةٍ نضاليةٍ عريقة، وتجربةٍ سياسيةٍ طويلة، بدأت من ميادين الكفاح، وامتدت إلى بناء المؤسسات، وترسيخ الاستقرار، وتعزيز مكانة كوردستان في المعادلات الإقليمية والدولية. وخلال العقود الماضية، أثبت أن القيادة ليست اندفاعًا، بل توازنٌ بين الثبات والمرونة، وبين الحلم القومي والواقعية السياسية.
إن الحديث عن “برّ السلام” ليس تعبيرًا بلاغيًا، بل مشروعًا وطنيًا يتطلب شروطًا واضحة:
وحدة الصف الداخلي، تغليب المصلحة العليا على الحسابات الحزبية،إدارة العلاقة مع بغداد بالحوار والحكمة،وبناء علاقات متوازنة مع دول الجوار تحفظ الحقوق وتجنب الصدامات غير المحسوبة.
وهذه المعادلة الدقيقة تحتاج إلى شخصيةٍ تحظى بقبولٍ واسعٍ، وتمتلك خبرةً في إدارة الأزمات، وقادرة على أن تكون نقطة التقاء عند اشتداد الخلافات. فالمرجعية السياسية لا تعني احتكار القرار، بل تعني حفظ البوصلة ومنع التشتت، وتوفير مظلةٍ وطنيةٍ جامعة.
الشعب الكوردي لا يحتاج اليوم إلى مزيدٍ من الانقسام، بل إلى تثبيت الاستقرار، وتعزيز الاقتصاد، وصيانة مكتسبات كوردستان التي تحققت بتضحيات جسام. وكل مرحلة انتقالية في تاريخ الأمم تحتاج إلى رجالٍ بحجمها، يملكون الشجاعة حين يلزم الحزم، والحكمة حين يكون التعقل أولى.
إن الرئيس القائد مسعود البارزاني، بما يحمله من تجربةٍ عميقةٍ وثقلٍ سياسيٍ ومكانةٍ راسخةٍ في وجدان شريحةٍ واسعةٍ من أبناء الشعب الكوردي، يبقى من أبرز الأسماء القادرة على لعب دور المرجعية السياسية في هذه المرحلة. وليس ذلك من باب العاطفة، بل من باب قراءة الواقع، واستحضار التاريخ، وفهم طبيعة التحديات.
فبرّ السلام لا يُصنع بالشعارات، بل بالرؤية.
ولا يُحفظ بالصوت العالي، بل بالحكمة الهادئة.
ولا يُبنى بالمزايدات، بل بالمسؤولية الوطنية.
وفي زمن التحولات، تبقى كوردستان بحاجة إلى قيادةٍ تعرف طريق الجبال كما تعرف دروب السياسة… قيادةٍ تصون الكرامة، وتحفظ المكتسبات، وتُبقي الأمل حيًا في قلوب أبنائها.
تلك هي مسؤولية المرحلة… وتلك هي أمانة التاريخ.