مصطفى عبدالكريم قایتەوەنی – فيينا
خلال الخمسة والعشرين عامًا الماضية، أي ما يقارب ربع قرن، شهد العالم تحولات سياسية وعسكرية وأمنية عميقة، أعادت تعريف مفاهيم الاستقرار، وغيّرت مسارات الأحداث من مجرد توقعات وتحليلات نظرية إلى وقائع جديدة فُرضت على النظام الدولي. ولم تكن هذه التحولات متوقعة حتى من قبل كبرى أجهزة الاستخبارات العالمية، إلا أن العالم مضى قدمًا في مسار حافل بأحداث لم تخطر على بال أكثر المراقبين تشاؤمًا، ما كشف عن هشاشة التوازنات الدولية وسرعة انهيار ما كان يُعتقد أنه ثابت.
وفي المشهد السياسي العالمي، ولا سيما بعد التحولات الكبرى التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، وخصوصًا التغيير في نظام الحكم في سوريا، برزت سلسلة من التطورات التي كسرت ما يمكن تسميته (بـجليد السلطة السياسية)، وهي تطورات كانت تُعد، حتى وقت قريب، من المستحيلات السياسية والعسكرية. فقد شهد العام الماضي تصاعدًا خطيرًا في التوتر بين (إيران وإسرائيل)، بالتوازي مع الحديث، مع مطلع العام الجديد، عن عمليات أمنية نوعية عابرة للحدود، فضلًا عن أزمات دولية معقدة، من بينها حادثة خطف رئيس فنزويلا، وتشكل هذه الوقائع مؤشرات واضحة على أن النظام العالمي بات أكثر هشاشة، وأقرب من أي وقت مضى إلى الصدام المباشر.
أما ساحة العمليات في الشرق الأوسط، فلم تكن يومًا بعيدة عن الأزمات! إذ يؤكد التاريخ الحديث للمنطقة أن التوتر فيها حالة شبه دائمة، غير أن ما يميّز المرحلة الراهنة هو تسارع الأحداث وتداخل الملفات السياسية والعسكرية بشكل غير مسبوق، بما يوحي بأن المنطقة قد تكون مقبلة على مواجهة واسعة النطاق. وفي هذا السياق، تبدو كل من سوريا والعراق، بحكم موقعهما الجغرافي وتعقيد تركيبتهما السياسية والأمنية، من أكثر الدول قابلية للتحول إلى ساحات صراع إقليمي أو دولي.
وتعكس التصريحات الرسمية لقادة المنطقة حجم القلق المتزايد. فقد أكد الرئيس المصري (عبد الفتاح السيسي)، رفض بلاده لأي مشاريع تهدف إلى تقسيم المنطقة إلى دويلات، وهو موقف يحمل دلالات سياسية عميقة.
وفي السياق ذاته، جاءت زيارة مدير المخابرات المصرية واجتماعاته مع رئيس مجلس السيادة السوداني لتضيف مزيدًا من علامات الاستفهام حول مستقبل الاستقرار الإقليمي، وتفتح باب التأويل حول احتمالات التصعيد.
وفي الأردن، ظهر (جلالة الملك عبد الله الثاني)، خلال استعراضات واستعدادات عسكرية للجيش العربي الأردني، في رسالة واضحة تؤكد: أن المملكة الهاشمية تتابع التطورات عن كثب، وتستعد لمختلف السيناريوهات المحتملة.
أما العراق، فلم يكن خارج هذا السياق المتوتر، إذ حذّر (الرئيس مسعود بارزاني)، المرجع الأعلى لشعب كوردستان، عقب لقاءات دولية رفيعة المستوى مع قداسة البابا ورئيس وزراء وأمين سر دولة الفاتيكان وكبار المسؤولين في إيطاليا: من أن المنطقة تعج بالأزمات، وأن شبح الحرب بات قائمًا.
وفي السياق ذاته، تتابع الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم بقلق بالغ التطورات غير المطمئنة في منطقة الشرق الأوسط، في ظل تصاعد الصراعات والعسكرة والاستقطاب وتراجع الاستقرار وفي نداء له، أكد (كاردينال لويس ساكو) بطريرك بابل الكلدان في العراق والعالم: ضرورة أن تتحمل الأمم المتحدة مسؤولياتها في التصدي للنزاعات وتحقيق السلام عبر الحوار، وصون سيادة الدول وحقوق مواطنيها. كما شدد على أهمية أن تقرأ الحكومات المحلية الواقع قراءة معمقة، وأن تتحمل مسؤولياتها المباشرة في حماية الوطن، وتوفير الحرية والكرامة وسبل العيش الكريم للمواطنين، وفيما يخص العراق، دعا (الكاردينال ساكو)، إلى الانتقال من الشعارات إلى الأفعال، وحصر السلاح بيد الدولة، ومواجهة الفساد بحزم. وأكد أن معيار بناء الدولة يقوم على مبدأ المواطنة والكفاءة واتباع سياسة أخلاقية. فالدين شأن شخصي، أما الشأن العام فيجب أن يُدار على أساس الكفاءة والاقتدار. وجميع المواطنين متساوون دون استثناء، ويحملون الجنسية العراقية، ومنهم المسيحيون الذين ليسوا أقل كفاءة من غيرهم، وكان لهم دور فاعل في مختلف مراحل تاريخ البلاد، كما دعا الحكومة إلى ترسيخ مبادئ المساواة والاحترام، واحتضان التنوع الديني والإثني بوصفه مصدر غنى وقوة، والعمل بجدية على تغيير الخطاب في وسائل الإعلام وفي المساجد والكنائس، إلى جانب تحسين المناهج والبرامج التعليمية في المدارس.
وفي الإطار نفسه، جاءت تصريحات الجنرال الأميركي المتقاعد (ديفيد بترايوس)، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة (العربية)، لتفتح ملفات حساسة تتعلق بالشرق الأوسط ومنطقة الخليج وأفريقيا. وقد عززت تحليلاته، ولا سيما ما يتعلق بالعراق وسوريا، قناعة العديد من المراقبين بأن المؤشرات المتراكمة تقود إلى نقطة واحدة: احتمال اندلاع صراع واسع في المنطقة. وتُعد هذه التصريحات، الصادرة عن قيادات والمرجعيات السياسية والدينية ذات وزن إقليمي ودولي، مؤشرًا واضحًا على إدراك مشترك لخطورة المرحلة المقبلة، يمكن القول إن العالم يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي.
فبين نظام دولي متصدّع، ومنطقة شرق أوسطية تغلي بالأزمات، وتصريحات وتحركات سياسية وعسكرية تنذر بالتصعيد، تبدو مرحلة (اللا مستحيل)، وقد تحولت إلى واقع سياسي جديد، يفرض على الجميع إعادة النظر في مفاهيم الأمن، والتحالفات، ومستقبل السلام، في عالم لم يعد كما كان.