المصير المشترك بين الفلسفة والواقع

سمير السوره ميري

يعد مفهوم المصير المشترك إمتدادا فلسفيا لفكرة العقد الاجتماعي، إذ ينبع من الإرادة والضمير الجمعي المشترك، ولا يُفرض من الخارج، بل يتشكّل من إرادة أصحاب الشأن أنفسهم، بوصفهم أصحاب حق الأصيل فيه، فالمصير لا يُقر في الغرف المغلقة، ولا يُدار بقرارات فوقية، بل هو مشروع شراكة حقيقية يقوم على تحمّل المسؤولية الجماعية.
في جوهره يُمثل المصير المشترك قرار أخلاقيا قبل أن يكون خيارا سياسيا، فهو لا يمنح حرية الإختيار بقدر مايحمل مسؤولية النتائج، وحدود هذه المسؤولية هي التي ترسم ملامح جدّية المصير، إذ لا يمكن اِختزاله في شعارات شاعرية أو خطابات رنّانة، بل يتجسّد في إلتزام سياسي- أخلاقي، تُثبت شرعيته عبر الإختبارات الفعلية، ويُقاس أثره بقدرته على الإستمرار حتى تحقيق غايات المصير المشترك، ومن هنا يغدو الضمير الجمع شرطا وجوديا لأي حل، لا مجرد عنصر ثانوي أو مُكمّل.
إن تجاهل مبدأ الضمير المشترك يُفقد أي مشروع سياسي مشروعيته الوجودية، ويقوّض أسس أي حل مستدام، فمسؤولية القضية لا تقع إلا على من يتأثر بها مباشرة، أولئك هم أصحابها الفعليون، الذين يتحمّلون أعباءها على امتداد طريق النضال، وهم وحدهم المكلّفون بتحمّل نتائجها، إنهم أصحاب القرار الحقيقيون، وما عدا ذلك لا يعدو كونه أوهاما سياسية، قد تُستخدم أحيانا كتكتيك ظرفي في إطار إستراتيجية أوسع لاستنهاض الضمير المشترك، لكنها لا يمكن أن تحل محله.
يؤكد لنا التاريخ هذه الحيقة بوضوح، فالثورة الفرنسية لم تكن قرارا خارجيا، بل نتاج أزمة إجتماعية- إقتصادية داخلية، تبلور وعيها في الضمير الجمعي لمختلف الطبقات المتضررة من النظام القائم، كما أن الإرادة القومية الألمانية وحدها هي التي تحمّلت كلفة صراع التوحيد، أما حركة الاستقلال الهندية، فقد قادها الهنود بأنفسهم ودفعوا في سبيلها أثمانا باهضة، وفي جنوب أفريقيا، لم يكن إنهاء نظام الفصل العنصري منحة خارجية، بل ثمرة تضحيات ونضال السود الذين قدّموا الكثير وحصدوا نتائج نضالهم بأنفسهم، وكذلك التجربة الفيتنامية، التي كانت قرارا وجدانيا جماعيا ، تحمّل المجتمع الفيتنامي وحده تبعاته ونتائجه.
ومن خلال هذا السرد التاريخي، يتبين بجلاء أن القرارات المصيرية لا تُصنع إلا بإرادة الضمير المشترك لأصحابها وحدهم، وأن أي محاولة لفصل المصير عن أصحابه محكوم عليها بالفشل، مهما بدت واقعية أو مدعومة من الخارج، فالمسؤولية هنا مسؤولية نضالية، تقع على عاتق الضمير الجمعي لأصحاب القضية والمصير الواحد.

قد يعجبك ايضا