الهام عبدالقادر
في مشهدٍ إعلامي عربي مكتظّ بمئات القنوات، يبدو الصمت لافتًا حين يتعلّق الأمر بما يتعرّض له الكُرد ولا سيما في روژآفاي كوردستان. وإن حضر الذكر جاء مشروطًا ومبتورًا موجّهًا نحو تلميع حكومة سورية مؤقتة يجري تقديمها بوصفها مشروع (توحيد واستقرار) في تجاهلٍ متعمّد لسجلّها ولمصادر تكوينها وللجرائم والانتهاكات الجسيمة المرتبطة بها. هذا الصمت ليس بريئًا بل يندرج ضمن سياق سياسي وإعلامي أوسع يسعى إلى إعادة صياغة التاريخ وطمس الهويات الأصلية وإقصاء المكوّنات غير المنسجمة مع سردية قومية واحدة.
أولًا: التحيّز الإعلامي وتبييض الانتهاكات
تُسارع بعض القنوات الإخبارية المعروفة إلى تسويق الحكومة المؤقتة باعتبارها (حكومة أمر واقع؛ تسعى لإنهاء معاناة السوريين متناسيةً – أو متجاهلةً – الجرائم الموثّقة التي ارتُكبت على يد القوى المنضوية في تشكيلها وعلى رأسها:
• مجازر شنكال (الإبادة الجماعية للإيزيديين) التي ترقى قانونيًا إلى جرائم إبادة جماعية وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة لعام 1948.
• الجرائم المرتكبة في الساحل السوري بحق مدنيين في خرقٍ واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني.
• الانتهاكات بحق الدروز، وما رافقها من اعتداءات على الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية.
• الاعتداءات المستمرة بحق الكُرد سياسيًا وثقافيًا وأمنيًا.
هذا التحيّز الإعلامي لا يكتفي بالتغاضي عن الانتهاكات بل يُسهم فعليًا في تبييضها وتحويل الجناة إلى شركاء شرعيين في المستقبل السياسي.
ثانيًا: الإقصاء التاريخي الممنهج للكورد في سوريا
ما يتعرّض له الكورد اليوم ليس حدثًا طارئًا بل امتداد لسياسات إقصاء ممنهجة تعود لعقود من بينها:
• حرمان عشرات الآلاف من الجنسية السورية بموجب إحصاء استثنائي يخالف مبدأ عدم جواز إسقاط الجنسية تعسفًا (المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان).
• مشروع الحزام العربي الذي شكّل تغييرًا ديمغرافيًا قسريًا محظورًا بموجب القانون الدولي.
• تغيير أسماء المدن والقرى الكوردية وطمس معالمها الثقافية في انتهاك صريح للحقوق الثقافية واللغوية.
• منع اللغة الكوردية من التعليم والتداول الرسمي في مخالفة للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 27).
• إنكار الوجود الدستوري للكورد وعدم الاعتراف بهم كمكوّن أصيل من مكوّنات الدولة.
هذه السياسات لم تكن أخطاء إدارية بل أدوات متكاملة لطمس هوية شعبٍ أصيل يعود وجوده في هذه الجغرافيا إلى ما قبل تشكّل الدول الحديثة بل إلى ما قبل الإسلام نفسه.
ثالثًا: إعادة إنتاج الإقصاء تحت غطاء جديد
اليوم…وبمساندة إقليمية ودولية تُعاد صياغة المشروع ذاته ولكن بأدوات مختلفة:
• تلميع حكومة ذات جذور متطرفة.
• تجاهل ممنهج لحقوق الأقليات والمكوّنات الأصلية.
• خطاب الوحدة الذي يُستخدم لتبرير الإلغاء.
• تزوير سردية التاريخ عبر محو الهويات غير المنسجمة مع القومية السائدة.
إن ما يجري لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تهدف إلى تذويب المكوّنات الأصيلة في بوتقة واحدة وكتابة تاريخ جديد يُقصي اللغات والحضارات والهويات المتجذّرة.
رابعًا: التوصيف القانوني
من منظور قانوني دولي فإن ما يتعرّض له الكورد وسائر المكوّنات يشمل:
• جرائم اضطهاد على أساس قومي وثقافي (جريمة ضد الإنسانية).
• تغيير ديمغرافي قسري.
• حرمان جماعي من الحقوق المدنية والسياسية.
• انتهاك حق تقرير المصير المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
وهي انتهاكات لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن تبريرها بخطاب “المرحلة الانتقالية” أو الضرورات السياسية.
إن الصمت العربي والدولي تجاه ما يتعرّض له الكُرد في روژآفاي كوردستان ليس حيادًا بل موقف. وتلميع الحكومات المتورطة في الانتهاكات ليس واقعية سياسية بل شراكة أخلاقية في الجريمة.
التاريخ لا يُكتب بالبيانات ولا بالاستديوهات، بل بوقائع ثابتة وحقوق لا تسقط. والكورد بوصفهم مكوّنًا أصيلًا من هذه الجغرافيا، لن يُمحَوا من الذاكرة، ولن تُلغى هويتهم بتكرار الأكاذيب.
العدالة وحدها تصنع الاستقرار والاعتراف بالتنوّع هو الطريق الوحيد لبناء دولة لا تقوم على الإقصاء، بل على الحق والقانون.