انقضاء القرار (2231) لحظة تحوّل في معادلة النووي الإيراني

عباس عبد الرزاق

في خطوة وُصفت بأنها «نهاية مرحلة وبداية أخرى»، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنّ القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن بشأن الاتفاق النووي «انقضى نهائيًا»، متهمًا الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالتنصّل من التزاماتها وبتوسيع دائرة العقوبات على طهران بدلًا من رفعها.

بهذا الإعلان، تدخل الأزمة النووية الإيرانية فصلًا جديدًا، حيث يغيب الغطاء القانوني الأممي الذي حكم علاقة إيران بالمجتمع الدولي منذ عام 2015.

خلفية القرار واتفاق 2015

القرار 2231 كان المظلّة القانونية للاتفاق النووي الذي أُبرم بين إيران ومجموعة (5+1) في يوليو 2015، ونصّ على رفع تدريجي للعقوبات الأممية مقابل تقييد أنشطة إيران النووية، مع آلية تُعرف بـ «سناب باك» تسمح بإعادة فرض العقوبات إذا أخلّت طهران بالتزاماتها.

كما تضمّن القرار مددًا زمنية محددة تنتهي في أكتوبر 2025، تُعرف بـ «يوم الانقضاء»، تُرفع بعدها كلّ القيود المتبقية على برنامج إيران النووي والصاروخي ما لم يُصدر مجلس الأمن قرارًا جديدًا بتمديدها.

إلا أنّ الاتفاق بدأ بالتآكل منذ انسحاب واشنطن منه عام 2018 بقرار الرئيس دونالد ترامب، وعودة العقوبات الأميركية المنفردة، ما أدّى إلى تراجع التزامات طهران تدريجيًا، وعودة التوتر إلى الملف النووي برمّته.

المعنى القانوني للانقضاء

من الناحية القانونية، يشير إعلان إيران إلى أنّ القرار فقد فاعليته التنفيذية بانتهاء مدته الزمنية المنصوص عليها، وهو ما يتيح لها القول إنّها لم تعد خاضعة لأيّ قيود أممية فيما يخص أنشطتها النووية أو برنامجها الصاروخي.

لكنّ دولًا غربية تعتبر أن القرار لم (ينتهِ) بالمعنى الكامل، إذ لم يصدر مجلس الأمن قرارًا جديدًا بإلغائه، وأنّ بعض بنوده ذات الطابع الأمني ما زالت قائمة نظريًا. بينما يرى خبراء القانون الدولي أن القرار ما زال قائمًا شكليًا، لكنه انتهى مضمونيًا، ولم يعد يشكّل أساسًا ملزمًا لأيّ إجراء أممي ضد طهران.

بين الانفراج والتصعيد

عمليًا، يمنح هذا التطور طهران حرية أوسع في تطوير برنامجها النووي والصاروخي، ويُضعف قدرة الغرب على استخدام الأمم المتحدة كمنصّة ضغط قانونية. لكنّ هذه الحرية قد تفتح أيضًا الباب أمام موجة جديدة من التوتر والعقوبات الأحادية من واشنطن والاتحاد الأوروبي، اللذين يريان في انقضاء القرار تهديدًا لتوازن الردع الإقليمي.

ومع فقدان المرجعية الأممية، يعود الملف إلى ساحة القوة السياسية والمفاوضات الثنائية بدلًا من الإطار القانوني الدولي، وهو ما قد يدفع نحو مواجهات دبلوماسية أشد، وربما سباق تسلّح في المنطقة.

الأبعاد الإقليمية

انتهاء القرار يثير قلقًا واضحًا في إسرائيل ودول الخليج، التي ترى في رفع القيود عن إيران خطرًا مباشرًا على الأمن الإقليمي. فقد حذّرت تل أبيب من أنّ (تحلل القرار يقرّب إيران من العتبة النووية)، فيما دعت الرياض إلى (ضمانات جماعية) تمنع أي سباق تسلّح نووي في الشرق الأوسط.

أما العراق وسوريا ولبنان، فتتابع هذا التحوّل من موقع المتأثر المباشر بتوازنات النفوذ الإيراني والغربي في المنطقة.

نهاية مرحلة… وبداية غموض

بـ«انقضاء القرار 2231»، تطوي الأزمة النووية الإيرانية صفحة من الضبط الدولي، لتدخل مرحلة غامضة يغيب فيها التوافق القانوني، وتتحكم فيها الموازين السياسية. فمن منظور طهران، انتهى زمن القيود؛ ومن منظور الغرب، بدأ زمن الردع غير المقيّد. أما مجلس الأمن، فيبدو عاجزًا عن استعادة دوره كحكم دولي، تاركًا الملف مفتوحًا على احتمالات تتراوح بين مفاوضات جديدة أو مواجهة باردة طويلة.

بين انقضاء القرار وتفكك النظام الدولي للضبط

يُظهر انقضاء القرار 2231 بوضوح أنّ النظام الدولي الذي وُلد بعد الحرب الباردة، والقائم على شرعية الأمم المتحدة كمرجع نهائي للضبط والردع، يدخل مرحلة وهنٍ غير مسبوقة. ففي الوقت الذي تتراجع فيه سلطة مجلس الأمن أمام القوى الكبرى، يتحول القانون الدولي من أداة تنظيم إلى أداة تأويل سياسي تُستخدم حسب مصالح الدول لا وفق قواعد ثابتة.

إنّ ما حدث لا يتعلّق بإيران فحسب، بل يعكس انهيار مبدأ (الالتزام الجماعي) الذي قامت عليه فكرة الأمن العالمي. فحين يصبح قرار صادر تحت الفصل السابع – أي في صلب الشرعية الدولية – عرضة للانقضاء دون إجماع أو بديل، فإن ذلك يعني أنّ النظام الأممي نفسه فقد مركزه كضامن للتوازن بين القوة والحق.

وهكذا، يغدو انقضاء القرار 2231 رمزًا لتحوّلٍ أكبر: من عالم تضبطه المؤسسات إلى عالم تحكمه الإرادات. وفي قلب هذا التحوّل، تجد إيران والغرب نفسيهما أمام مرآة واحدة تعكس نهاية مرحلة كانت فيها العقوبات والقوانين أدوات تفاوض، وبداية زمنٍ جديد تُحدَّد فيه الموازين لا بالقانون، بل بمقدار النفوذ والقدرة على الفعل.

قد يعجبك ايضا