ثقافة النهب

سمير السوره ميري

( حين تكون مقدارت الدولة غنيمة، لا يُنهب المال وحده، بل تُنهب العدالة والثقة والمستقبل )
حين تُقابل السرقة الفردية بالاِستهجان والاِدانة، بينما يجد النهب الجماعي من يبرره أو يتسامح معه، فإنّ المشكلة لا تعود قانونية فحسب، بل تصبح أزمة أخلاقية وثقافية عميقة، فالمجتمع الذي يفقد حساسيته تجاه الاِعتداء على المال العام أو يبحث عن المبررات للمتجاوزين عليه، يفتح الباب لتحوّل الجريمة من سلوك فردي معزول إلى ظاهرة اِجتماعية متجذّرة.
السرقة: الاِستيلاء على المال خفيةً ومن دون حق.
النهب: الإستيلاء على الأموال أو الممتلكات علناً أو جماعياً مُستغلًا الفوضى أو ضعف السلطة أو غياب المساءلة.
بين الفعلين فرق في الوسيلة لكنهما يلتقيان في الجوهر، الاِعتداء على الحقوق وتقويض أسس العدالة.
قد تُطرح أسباب عديدة لتفسير ظاهرة النهب، كالفقر والبطالة والحرمان والفساد الاِداري وضعف مؤسسات الدولة، غير أن التفسير لا يعني التبرير، فالمعانات الإجتماعية قد تُفسر بعض السلوكيات لكنها لا تمنحها الشرعية الأخلاقية أو القانونية، إنّ الخلط بين الفهم والتبرير هو أحد أخطر أشكال الاِنحدار القيمي لانه يحول الخطأ إلى حق، والجريمة إلى اِستحقاق، وقد جاءت النصوص القرآنية واضحة في تحريم أكل أموال الناس بالباطل، سواء أكان ذلك بحقوق الأفراد أم بالمال العام، قوله تعالى: (( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ )) البقرة – 188، وقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ )) النساء- 29، وهي نصوص تؤسس لمبدأ أخلاقي وقانوني لا يقبل التأويل النفعي أو التبرير المصلحي، والآيتان المقصود نهب المال العام أو أموال الناس بالقوة، هذه الآيات من أقوى النصوص القرأنية في تحريم ذلك مهما كانت الأسباب، ويأتي من يضرب الآيات بأفكاره الشاذة ضارب الآيات عرض الحائط كما يقول المثل.
وفي الفكر السياسي لطالما اِرتبط فساد السلطة بتحويل الدولة إلى غنيمة، فقد قال الفيلسوف والمؤرخ البريطاني اللورد أكتون ” السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”، كما نجد في أفكار أفلاطون ولا سيما في كتاب الجمهورية، تحذيرا من أولئك الذين ينظرون إلى المناصب العامة بوصفها وسيلة للمكاسب الخاصة لا خدمةً للصالح العام، إذ عندئذٍ يصبح قيام دولة عادلة أمرًا عسيرًا.
إنّ السرقة الفردية جريمة يعاقب عليها القانون، أما نهب المال العام فغالبًا مايكون جريمة تعاقب عليها الأجيال، فثمنه لا يُقاس بما يُسرق من خزائن الدولة فحسب، بل بما يُفقد من فرص التنمية والتعليم والصحة والعدالة، أنه يورث الفقر والبطالة ويُبدد أحلام الشباب في حياة كريمة ويقوض الثقة بين المواطن والدولة.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في فعل النهب ذاته، بل في ثقافة التي تبرّره، فعندما يصبح الولاء للجماعة أو الطائفة أو الحزب مقدمًا على الولاء للدولة، وعندما تختزل المواطنة في شبكة من المنافع الضيقة، تبدأ الجريمة بالتخفي خلف ستار الشرعية الإجتماعية، وعند هذه النقطة لا يعود الفساد اِنحرافًا عن القاعدة، بل يتحول إلى قاعدة تحكم السلوك العام.
كيف تتحول الجريمة من إستثناء إلى قاعدة
يحدث ذلك حين تضعف الدولة بوصفها حارسًا للعدالة، وتتأكل الثقة بالمؤسسات ويتسع الفراغ الأخلاقي، عندها تظهر خطابات تبريرية تجعل من النهب حقًا، أو تعويضًا أو ضرورة، فتنتقل الجريمة من دائرة الإدانة إلى دائرة القبول، والأخطر من ذلك الناس يتكيفون معها نفسيًا، فلا تعود الفضائح صادمة، بل تتحول إلى أخبار يومية.
وحين يبلغ المجتمع هذه المرحلة يصبح الفساد قادرًا على الإعلان عن نفسه من دون خوف أو خجل، يتحدث الفاسد عن الفساد، ويعترف المسؤول بالعجز عن مواجهته، وكأنّ الأمر قدر لا يمكن تغيره، هنا لا يكون الاِنهيار ماليًا أو إداريًا فقط، بل يكون اِنهيارًا في منظومة القيم ذاتها، حيث يحل معيار القوة محل معيار الحق، وتحل المصلحة محل العدالة، هنا يكون النهب ليس مجرد إعتداء على مال، بل إعتداء على فكرة الدولة نفسها.
– إنّ اِستعادة المال المنهوب قد تكون ممكنة، أما إستعادة الثقة بعد اِنهيارها فهمه أكثر صعوبة –

قد يعجبك ايضا