آزاد حميد شفي
يتابع الرأي العام العراقي منذ مدة الخطاب السياسي الذي يتبناه محمد ريكان، والذي بات يعبّر بوضوح عن أزمةٍ عميقة في الرؤية والموقف. فمن خلال ممارساته وتحالفاته المتقلّبة، ظهر جليًا أن الرجل فقد القدرة على إنتاج مشروعٍ سياسي متماسك، مكتفيًا بأدوار هامشية لا تتجاوز حدود الصفقات الآنية والتفاهمات قصيرة الأجل، سرعان ما تتهاوى أمام أول اختبارٍ جدي.
لقد أحاطت مسيرته السياسية ملفاتٌ عديدة تتعلق بالتزوير الانتخابي وإخفاقات في إدارة الشأن العام، فضلًا عن شبهات فساد في عقود إعمار محافظة الأنبار، كما تناولت ذلك تقارير صحفية عراقية ودولية موثوقة. وخلال فترة رئاسته لمجلس النواب، وُجِّهت إليه اتهاماتٌ بتهميش الشركاء السياسيين والانفراد باتخاذ القرار، وهو ما انعكس سلبًا على مكانته الشعبية وأضعف حضوره في بيئته الانتخابية.
وفي هذا السياق، جاء خطابه الأخير ليكشف عن نزعةٍ مقلقة نحو خطاب الكراهية المتهالك، الذي يستهدف المكوّن الكوردي ويستحضر مفردات الماضي بأشكالها الأكثر سلبية. وهو خطابٌ يفتقر إلى الرؤية الوطنية الجامعة ويغذّي الانقسام بدلاً من رأب الصدع، في وقتٍ يحتاج فيه العراق إلى خطابٍ مسؤولٍ يعزز الشراكة الوطنية ويكرّس قيم التعايش والتنوع.
إن تبنّي مثل هذا الخطاب الإقصائي المتجاوز لعصره لا يخدم الاستقرار السياسي، ولا ينسجم مع متطلبات المرحلة التي تمر بها البلاد بل إن هذا الخطاب المتهالك لم يعد صالحًا لعصر يتطلع فيه العراقيون إلى لغة الشراكة والعدالة، فهو خطابٌ خاوي المضمون، بَالٍ عفا عليه الزمن، لا يحمل في طيّاته سوى إعادة إنتاج الكراهية والانقسام في كل مرة. لقد أورث العراق أزماتٍ متلاحقة، وعمّق الشرخ في نسيجه الوطني، وجعل الشعب يدفع أثمانًا باهظة نتيجة هذا النهج العقيم الذي لم يجلب للوطن سوى التراجع والتمزق.
وإن مثل هذا الخطاب لا يمكن أن يعبّر عن إرادة الشعب العراقي الحيّ، ذلك الشعب الذي قدّم التضحيات من أجل دولة عادلة جامعة، ويطمح إلى مشروع وطني يتجاوز لغة الماضي وثقافة الإقصاء نحو أفق جديد قوامه المواطنة والمساواة.
إن إقليم كوردستان، بتاريخ عطائه الوطني ودوره الراسخ في حماية وحدة العراق واستقراره، لا ينتظر من أحد أن يمنّ عليه بالفضل. فمواقفه المبدئية تجاه الدولة والمجتمع معروفة ومحل إجماع وطني، ومحاولات الانتقاص من هذه المواقف لا تغيّر من حقيقتها شيئًا.
لقد تجاوز العراق مرحلة المزايدات السياسية الضيقة، وهو اليوم أحوج ما يكون إلى لغة المسؤولية والحوار والتفاهم بدلًا من إعادة إنتاج الخطابات التي أثبت الزمن فشلها وأرهقت البلاد بأزماتها. وحتى في المحافظات الغربية التي يدّعي محمد ريكان تمثيلها، يدرك أبناء هذه المناطق أن مستقبلهم لا يتحقق إلا من خلال التعاون البنّاء مع المكونات كافة، وفي مقدمتها الشعب الكوردي، بعيدًا عن سياسات العزل والاستعداء.
إننا نؤكد أن المرحلة الراهنة تستدعي من جميع الفاعلين السياسيين الارتفاع بمستوى الخطاب وتحكيم المصلحة الوطنية العليا، والابتعاد عن كل ما يثير الانقسام أو يعيد إنتاج أزمات الماضي. فالعراق يتجه نحو بناء دولة مدنية عادلة قائمة على الشراكة والتوازن، ولا مكان فيها لمن يصرّ على البقاء أسيرًا لخطاباتٍ تجاوزهـا الزمن.
*مسؤول الفرع الخامس للحزب الديمقراطي الكوردستاني