عماد عبد السلام رؤوف… المؤرخ الذي جعل من التاريخ رسالة وطن

نبيل عبد الأمير الربيعي

لا يرحل العلماء الحقيقيون حين تغيب أجسادهم، لأنهم يودعون في ذاكرة الأمم ما يجعل حضورهم ممتداً عبر الزمن. ومن هؤلاء العلامات الفارقة في الثقافة العراقية المؤرخ الكبير الأستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، الذي لم يكن باحثاً في التاريخ فحسب، بل كان حارساً للذاكرة العراقية، ومحققاً استثنائياً للمخطوطات، وأحد أبرز من منحوا التاريخ العراقي والعربي قراءة علمية رصينة بعيدة عن الانفعال والأدلجة.
لقد مثل الراحل مدرسة متكاملة في البحث التاريخي، جمعت بين الدقة الأكاديمية، والأمانة العلمية، وسعة الاطلاع، والقدرة الفائقة على قراءة الوثيقة وتحليلها وربطها بسياقها الحضاري. لذلك لم يكن التاريخ عنده مجرد سرد للأحداث أو استعادة للماضي، بل وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وإدراك حركة المجتمعات وتحولاتها بعيداً عن التحيز والأحكام المسبقة.
ينتمي الدكتور عماد عبد السلام رؤوف إلى الجيل الذي أدرك أن الأمم لا تبنى بالشعارات، وإنما تبنى بالمعرفة. فجعل من حياته مشروعاً علمياً متواصلاً أثمر أكثر من مئة وثلاثين كتاباً بين التأليف والتحقيق والدراسة، تناول فيها تاريخ العراق، وبغداد، والموصل، والدولة العثمانية، والحياة الاجتماعية، والأسر العلمية، والمخطوطات النادرة، حتى غدت مؤلفاته مراجع أساسية للباحثين في الجامعات العراقية والعربية.

ولعل أكثر ما يميز تجربته أنه كان مؤرخاً ميدانياً، لا يكتفي بالنقل، بل يعود إلى المصادر الأصلية والوثائق والمخطوطات، ويقارن الروايات، ويحقق النصوص بمنهج علمي صارم. لذلك اكتسب ثقة الأوساط الأكاديمية، وترجمت بعض أعماله إلى لغات عدة، وأصبحت دراساته حاضرة في الجامعات ومراكز البحوث داخل العراق وخارجه.
أما بغداد، فقد كانت بالنسبة إليه أكثر من مدينة؛ كانت هويةً وذاكرة وحضارة. أفنى سنوات عمره في تتبع تاريخها وأحيائها ومساجدها ومدارسها وأسرها العلمية، حتى استحق أن يعد أحد أبرز حراس تراثها الثقافي. وكان يرى أن المحافظة على التراث ليست ترفاً ثقافياً، بل مسؤولية وطنية تحفظ هوية العراق في مواجهة النسيان والتشويه.
وإلى جانب عطائه العلمي، عرف الراحل بسمو أخلاقه وتواضعه وابتعاده عن الصراعات الفكرية والسياسية، مؤمناً بأن المؤرخ الحقيقي ينبغي أن يكون منحازاً للحقيقة وحدها. وقد ترك في نفوس طلبته صورة الأستاذ الذي يربي قبل أن يعلم، ويغرس فيهم قيمة البحث الحر واحترام الوثيقة والموضوعية في قراءة التاريخ.
لقد خسر العراق برحيله واحداً من كبار مؤرخيه، لكن خسارة الوطن لا تعني غياب الأثر. فالعلماء يبقون بما تركوه من فكر، وما أنجزوه من كتب، وما صنعوه من أجيال حملت رسالتهم. وستظل مؤلفات الدكتور عماد عبد السلام رؤوف شاهداً على عقل موسوعي نذر حياته لخدمة تاريخ العراق وتراثه، وأثبت أن الباحث الحقيقي يستطيع أن يحفظ ذاكرة وطن بأكمله.
إن استذكار هذه القامة العلمية ليس مجرد وفاء لشخصية أكاديمية مرموقة، بل هو وفاء لقيمة العلم ذاته، وتأكيد أن الأمم التي تكرم علماءها وتعتز بتراثها هي الأمم الأقدر على صناعة مستقبلها. وسيبقى اسم الدكتور عماد عبد السلام رؤوف محفوراً في سجل الرواد الذين جعلوا من البحث العلمي رسالة، ومن التاريخ جسراً يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال القادمة القدرة على فهم ذاتها وصيانة هويتها.
رحم الله الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، فقد كان نخلةً عراقيةً باسقة، جذورها ضاربة في أعماق التاريخ، وأغصانها ما زالت تثمر معرفةً ووعياً لكل من يطرق أبواب العلم.

قد يعجبك ايضا