أمل الجبوري… شاعرةٌ حملت العراق في المنفى وحوّلت الألم إلى قصيدة

محمد علي محيي الدين

من بغداد التي كانت تضجّ بالأسئلة والحروب والأحلام المكسورة، خرجت أمل الجبوري حاملةً في روحها قلق الكلمة ووجع الإنسان، لتصبح واحدة من أبرز الأصوات الشعرية العراقية المعاصرة، وصورةً للمثقف الذي لم يفصل يوماً بين الشعر والحرية، ولا بين الكتابة والدفاع عن الإنسان.
وُلدت أمل الجبوري في بغداد عام 1967، وفي تلك المدينة التي كانت الثقافة فيها جزءاً من الحياة اليومية، تشكل وعيها المبكر على القراءة والأدب والفنون. درست الأدب الإنكليزي في جامعة بغداد، وتخرجت أواخر الثمانينيات، قبل أن تتجه لاحقاً إلى دراسة قانون حقوق الإنسان، لتجمع في مسيرتها بين حساسية الشاعرة ووعي الحقوقية، وبين لغة الجمال وهموم العدالة الإنسانية.
بدأت رحلتها مع الكتابة مبكراً، فنشرت قصائدها الأولى في الصحف والمجلات العراقية خلال الثمانينيات، حيث برز صوتها مختلفاً، مشبعاً بالأنوثة والتمرد والبحث عن الحرية. ولم تكتفِ بالشعر، بل انخرطت أيضاً في العمل الصحفي والثقافي، فعملت مراسلة لصحيفة “القبس” الكويتية، ثم لمجلة “الحوار” التي كانت تصدر في باريس، كما أعدّت وقدمت البرنامج الثقافي “الغد”، الذي اهتم بالمثقفين والفنانين الشباب في العراق، في وقت كانت فيه الثقافة العراقية تبحث عن منافذ للتنفس وسط العزلة والحروب.

Screenshot

ومع اشتداد التحولات السياسية والاجتماعية، غادرت العراق في التسعينيات، لتبدأ رحلة المنفى التي ستترك أثرها العميق في كتابتها وتجربتها الإنسانية. تنقلت بين عواصم عدة، واستقرت فترة في ألمانيا، حيث أسست الفرع العربي لديوان اتحاد الشرق والغرب، وترأست تحرير مجلة “ديوان” الثقافية الصادرة بالعربية والألمانية من برلين، واضعةً نصب عينيها مشروعاً ثقافياً يتجاوز الحدود والجغرافيا، ويؤسس لحوار حقيقي بين الثقافات.
كانت أمل الجبوري تؤمن بأن الترجمة والثقافة يمكن أن تكونا جسراً بين الشعوب، لذلك انشغلت بترجمة الكتب والإشراف على مشاريع ثقافية تسعى إلى إزالة الحواجز بين الشرق والغرب، بعيداً عن النظرة الاستعلائية أو المركزية الغربية. وفي هذا السياق أسست عام 2001 مؤسسة الشرق والغرب للغة العربية والثقافة الألمانية، كما أنشأت مدرسة لتعليم اللغة الألمانية للفتيات اليتيمات عام 2003، في مبادرة إنسانية تعكس إيمانها العميق بدور المعرفة في إنقاذ الإنسان من العزلة والفقر والتهميش.
ولم تنقطع علاقتها بالعالم العربي رغم المنافي، فقد واصلت إقامة الفعاليات الشعرية والثقافية في صنعاء ودمشق وبغداد ودبي وغيرها، وأسست “القلم العراقي” في دمشق عام 2007، لتظل الثقافة بالنسبة إليها فعلاً للمقاومة وحفظ الهوية والذاكرة.
أما تجربتها الشعرية، فقد تطورت عبر مراحل متعددة، بدأت بدواوين مبكرة مثل “خمر الجراح” عام 1986 و”أعتقيني أيتها الكلمات” عام 1994، حيث حضرت الذات الأنثوية القلقة الباحثة عن الحرية والانعتاق. لكن تجربة المنفى وما رافقها من شعور بالاقتلاع والاغتراب دفعت شعرها إلى أفق أكثر عمقاً وتأملاً، فمالت إلى الكتابة ذات الطابع العرفاني والروحي، حيث تتحول القصيدة إلى صلاة داخلية، واللغة إلى محاولة لفهم الخراب الإنساني وتجاوز الألم.
في دواوينها اللاحقة مثل “لك هذا الجسد لا خوف علي”، و”تسعة وتسعون حجاباً”، و”هاجر قبل الاحتلال، هاجر بعد الاحتلال”، و”أنا والجنة تحت قدميك”، و”حفرتَ التوراة في عيني”، تبدو أمل الجبوري شاعرة تبحث عن الخلاص عبر التأمل والحدس الروحي، وتحاول أن تمنح للكلمة وظيفة تتجاوز الجمال اللغوي إلى إعادة اكتشاف الجوهر الإنساني وسط عالم يزداد قسوة وتشظياً.
إن المرأة في شعرها ليست مجرد ذات فردية، بل كائن يحمل ذاكرة المنفى والحرب والاقتلاع، ويقاوم الخراب الداخلي بالحب والإيمان والرؤية الصوفية للحياة. ولهذا كثيراً ما تبدو قصائدها وكأنها رحلة عبور من الألم إلى الصفاء، ومن الفقد إلى الحكمة، ومن التشظي إلى محاولة استعادة المعنى.
وقد حظيت تجربتها الأدبية والثقافية بتقدير واسع، فنالت جائزة الإبداع العربي عام 2003 عن كتابها “تسعة وتسعون حجاباً”، كما حازت جائزة جومسكي عام 2012 عن كتابها “هاجر قبل الاحتلال، هاجر بعد الاحتلال”، الذي اختير واحداً من أفضل خمسة كتب في الولايات المتحدة عام 2011. كذلك فاز ديوانها “لك هذا الجسد لا خوف علي” بالجائزة الفضية لأجمل كتاب في معرض بيروت الدولي.
وإلى جانب الشعر، عملت أمل الجبوري في مجال حقوق الإنسان، وترأست الأكاديمية العربية لحقوق الإنسان في لندن، مؤكدة أن الدفاع عن الإنسان لا ينفصل عن فعل الكتابة، وأن القصيدة الحقيقية هي تلك التي تنحاز إلى الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة.
لقد استطاعت أمل الجبوري أن تجعل من المنفى فضاءً للخلق لا للانكسار، ومن الحنين طاقةً للكتابة، ومن الألم لغةً شعرية خاصة بها. فبقي العراق حاضراً في قصائدها مثل جرح مفتوح وذاكرة لا تهدأ، وبقيت هي واحدة من الأصوات العراقية التي حملت الوطن معها أينما ذهبت، وحوّلت الغربة إلى قصيدة طويلة تبحث عن الإنسان والمعنى والخلاص.

قد يعجبك ايضا