✍️ حاوره: جـلال مشـروك.
بعيداً عن الأرقام والتواريخ، نفتح اليوم نافذةً على عالم الكاتب “محمد قادري”؛ حيث لا تكتفي الكلمة بالوصف، بل تتحول إلى مشرطٍ جراحٍ يغوص في أعماق النفس البشرية وتناقضات المجتمع. في هذا الحوار، نتأمل كيف استطاع الكاتب أن يمزج بين قسوة “العشرية السوداء” وأحلام “الحرقة” في قوالب أدبية واقعية، وكيف تتحول التجارب الشخصية المنسية في كراسات قديمة إلى نصوصٍ تقرع جرس الإنذار وتوثق لذاكرة وطن. رحلةٌ بين خبايا الإبداع وعين الكاتب التي لا تهدأ عن رصد “نبض” الشارع الجزائري.
1- كيف يعرف الكاتب “محمد قادري” بنفسه للجمهور؟
الكاتب محمد قادري، مدير متوسطة متقاعد، من مواليد 21/03/1953 بشلغوم العيد، ولاية ميلة. متزوج ولي خمسة أطفال.
متحصل على شهادة البكالوريا (آداب)، وشهادة الليسانس في العلوم الإدارية والقانونية، وشهادة الكفاءة المهنية للمحاماة، وشهادة في ميدان العمل القنصلي بوزارة الشؤون الخارجية سنة 1978. إضافة إلى الشهادات في ميدان التربية، حيث أنني خريج ثلاثة معاهد تكنولوجية للتربية (تعليم ابتدائي ومتوسط) ومعهد التكوين لإطارات التربية (مدير متوسطة).
كل دراستي كانت بقسنطينة وبجامعة منتوري، ما عدا التعليم الابتدائي.
طبعاً كانت لي نشاطات في العمل النقابي والجمعوي ودور الثقافة، ونلت عدة شهادات ودروع نتيجة مشاركاتي في الملتقيات الثقافية بكل من ولايات ميلة، قسنطينة، أم البواقي، وباتنة.
بالنسبة لمؤلفاتي، لدي حالياً خمسة مؤلفات موزعة بين الشعر والقصة القصيرة والرواية، وهي على التوالي:
”ذكريات ذات يوم”: مجموعة قصصية قصيرة وأشعار، صدرت عن دار نشر “المثقف”.
”كن كشجرة الخريف”: مجموعة مقالات تربوية واجتماعية وأخلاقية وعلمية ودينية، عالجت فيها عدة مواضيع بطرح جريء، كما علّق عليها الدكتور محمد بنزاوي. صدرت عن دار نشر “المثقف”.
”ملوكة أو الحواجز المزيفة”: رواية تطرقت فيها إلى فترة “العشرية السوداء”، واعتمدت فيها على الحوارات الشيقة بين أبطالها؛ حيث عرفت كيف أغوص في نفسياتهم لمعالجة أسباب ومسببات الأزمة من خلال وقائع وأحداث حقيقية، خاصة نفسية بطلها الذي استُدعي لأداء مهام الخدمة الوطنية، وما عاناه أثناء مروره بالحواجز المزيفة. ويمكن اتخاذ هذه الرواية كمصدر تاريخي لهذه المرحلة العصيبة التي شهدت صراعاً بين إخوة أشقاء، كل منهم يقول “الله أكبر”. صدرت عن دار النشر “المثقف”.
”سارة في جزيرة الجماجم”: رواية عالجت فيها مشكلة “الحرقة” لدى الشباب (الهجرة السرية)؛ حيث جمعت الظروف القاسية مجموعة من الشباب في زورق بحثاً عن الحرية المنشودة والأحلام الوردية في الضفة الأخرى، لكن أحلامهم اصطدمت بتقلبات البحر لترمي بهم في جزيرة نائية حيث استسلموا للأمر الواقع. هذه الرواية أيضاً -من خلال الحوارات الشيقة- تغوص في نفسيات الأبطال لتبرز أسباب ظاهرة الحرقة عبر أحداث حقيقية جمعتها من أفواه من عاشوا هذه التجربة المريرة. صدرت عن دار نشر “أثر”.
”الوداع الأخير”: مجموعة قصصية تتكون من 11 قصة.
الملاحظة على كتاباتي أنها تعالج دائماً الواقع المعاش في بلدي؛ فقصصي أغلبها مستوحاة من تجارب شخصية (أدب واقعي)، وقد استلهمت أعمالي من تجارب الحياة اليومية وخاصة الرحلات، وهو ما يسمى بـ”أدب الرحلات”، حيث غصت في أعماق حياة الإنسان البسيط ومعاناته في وجه الحياة اليومية المضطربة، ولهذا يجد القارئ أن تفاصيل البيئة والمجتمع شكلت روح كتاباتي. كما أنني جمعت في تجربتي الأدبية بين الشعر والقصة القصيرة والرواية، مازجاً بين العاطفة والخيال والتأمل في قضايا الإنسان والوجود، وقد ساعدني في ذلك تقلبّي في عدة مهن (تربوية، دبلوماسية، وقانونية).
2- متى وكيف ولجتم عالم الكتابة؟
ولجت عالم الكتابة وأنا في مرحلة التعليم المتوسط. للأسف لم يدعمني أحد، فقط كثرة مطالعاتي في مجال الأدب بصفة عامة، والشعر والقصة والرواية، ومشاركاتي في المجلات الحائطية آنذاك، وكتاباتي في الجرائد خاصة جريدة “النصر” وجريدة “المساء”. وعندما كنت أستاذاً بمتوسطة محمد العيد آل خليفة، كونت فرقة مسرحية كنت أكتب لها المسرحيات وأخرجها لتمثيلها على خشبة المسرح المدرسي.
3- من هم الكتاب والمؤلفون الذين تقرأ لهم؟ وبمن تتأثر وتستلهم منه روح الكتابة والثقافة؟
كنت وما زلت أقرأ للكُتّاب العالميين الكبار أمثال: أرنست همنغواي، تشيخوف، طه حسين، العقاد، نجيب محفوظ، أنيس منصور، مصطفى محمود، فيكتور هيغو، جون جاك روسو، مكيافيلي، كريستوفر مورلي، ماري شيلي، برام ستوكر، جلال الدين الرومي، مولود فرعون، مالك بن نبي، مولود معمري، أحلام مستغانمي، الغزالي، وطبعاً كتاب وروائيين جزائريين وعالميين كُثر من إسبان وفرنسيين وأمريكيين.
4- تنوعت مسيرتكم بين التعليم، القانون، والدبلوماسية. كيف ساهم هذا التنوع في صقل “عين الكاتب” لديكم؟
طبعاً، تقلبي في عدة مهن (التعليم، الدبلوماسية)، ودراستي للقانون والمحاماة، وكذلك رحلاتي إلى العديد من البلدان؛ كل هذا أثّر في كتاباتي وجعلني أدرس المجتمع الجزائري دراسة عن قُرب.
5- هل كانت الاستقالة من وزارة الخارجية في عام 1978 بسبب ظروف عائلية هي “نقطة التحول” التي جعلتكم تعودون إلى حضن الأدب والتعليم، أم أن الأدب كان موجوداً دائماً كخيار موازٍ؟
الاستقالة من وزارة الشؤون الخارجية كانت بسبب أنني كنت وحيد الوالدين، ورفضهما انتقالي بعيداً. تركتُ خلال تلك الفترة كتابات وأشعاراً وقصصاً في كراسات ولم أجمعها إلا سنة 2019 في فترة جائحة كورونا؛ الحقيقة أن الجائحة هي التي شجعتني على استخراج كراساتي القديمة والبدء في تنظيمها وتصحيحها وطبعها. بعد ذلك اتجهت إلى الرواية، حيث إنني كنت أستاذ تاريخ وجغرافيا.
6- وُصفت روايتكم “ملوكة أو الحواجز المزيفة” بأنها تحفة فنية في تناول العشرية السوداء. ما هو التحدي الأكبر الذي واجهكم عند محاولة كتابة “نفسيات الأبطال” في فترة كانت مليئة بالألم والتعقيد؟
العشرية السوداء يجب أن تُؤرَّخ ليقرأها شبابنا حتى يأخذوا منها العبر ولا تُعاد مرة ثانية. فكانت رواية “ملوكة أو الحواجز المزيفة” تحفة فنية تناولت فيها كل ما يتعلق بالعشرية السوداء، خاصة الغوص في نفسية الإنسان الجزائري، لا سيما المرأة الجزائرية في تلك الحقبة.
في الحقيقة، واجهتني صعوبات كبيرة في اختيار الأبطال ومحاولة الغوص في نفسياتهم لأن المرحلة كانت عصيبة، وبين إخوة أشقاء كما أسلفت، كل منهم يواجه الآخر بكلمة “الله أكبر”. وكذلك كنت مقيداً بما يُعرف بقوانين “الوئام الوطني”، التي فرضت علي الكثير من التحفظ في كتابة هذه الرواية.
7- في رواية “سارة في جزيرة الجماجم”، غصتم في أعماق ظاهرة “الحرقة”. هل ترى أن الأدب قادر على ملامسة أسباب هذه الظاهرة أكثر مما تفعل التقارير الصحفية أو الاجتماعية؟
في رواية “سارة في جزيرة الجماجم” اخترت أبطالاً من فئات اجتماعية مختلفة، جمعتهم ظروف الحياة الصعبة وأحلام وردية في الضفة الأخرى. ولكن الوصول إلى الضفة الأخرى ليس سهلاً، وهذا ما أبرزته من خلال ثوران البحر والتيارات البحرية الجارفة التي حطمت زورقهم التقليدي ورمت بهم إلى جزيرة نائية عانوا فيها الكثير من المشاكل والصعوبات بعد أن مات بعضهم -سواء أثناء تقلبات البحر أو في الجزيرة- وذلك لأبيّن للشباب الجزائري بأن “الحرقة” ليست مسألة سهلة وليست حلماً يسهل تطبيقه، وأن الأحلام الوردية في الضفة الأخرى ما هي إلا هراء. وهذا -في رأيي- عكس التقارير الصحفية التي تعالج الموضوع بسطحية ولا تغوص في أعماقه.
8- تتنقلون بين الشعر، القصة، المقال، ورواية أدب الرحلات (في “الوداع الأخير”). أي من هذه القوالب الأدبية تشعرون أنه الأقرب للتعبير عن “محمد قادري” الإنسان والكاتب؟
الكتابة إلهام أولاً وموهبة ثانياً، والموهبة تصقلها كثرة المطالعات وتنوعها وتنوع مواطن كتّابها حتى يكون الكاتب متفتحاً على العالم، خاصة إذا كان لديه طموح عالمي. والجمع بين الألوان الأدبية الثلاث ليس بالأمر الهين ويتطلب اطلاعاً واسعاً، وأنا ألفت كتابين في نفس الوقت وطبعتهما معاً (“ذكريات ذات يوم” و”كن كشجرة الخريف”) ويجمعان القصة والشعر والمقال، ثم أصدرت المجموعة القصصية “الوداع الأخير” والرواية “سارة” في نفس الوقت، وهذا توفيق من الله. ولدي الآن روايتان ومجموعتان قصصيتان قيد التصحيح.
القصص والروايات هما المفضلان عندي، أما الشعر فقد توقفت عن ممارسته مدة من الزمن، وعدت إليه مؤخراً وأنا بصدد استكمال مجموعة شعرية قريباً.
9- لو طُلب منكم وصف الجزائر اليوم من خلال “بطل” في رواية قادمة، فكيف ستكون ملامح هذا البطل؟
ملامح بطل الجزائر تكون مملوءة تحديات، وحذراً مما يُحاك حولنا من مؤامرات.