دراسة مادية بنيوية في قصيدة الشاعر عبد الستار نورعلي

سهيل الزهاوي

قالوا: تدلّل! قلتُ: لا! – الشعر كفعل مقاومة أخلاقية

الخلفية التاريخية للقصيدة*

وُلدت قصيدة «قالوا: تدلّل!» في عام 1978، في فترة سياسية عراقية مثقلة بالقمع وتقييد الحريات، حيث كانت المعارضة تتعرض لهجمات قمعية شديدة، وكان أعضاءها يُغَرى بعضهم للتنازل عن مبادئهم تحت ضغوط الأجهزة الأمنية. كتب الشاعر النص الأصلي مكوّنًا من ثمانية أبيات، (الأبيات: 1، 2، 3، 7، 8، 12، 20، 25)، ونُشرت حينها في مجلة الورود اللبنانية التي كان يصدرها الأديب المرحوم بديع شبلي. لاحقًا، ومع تغيّر الظروف السياسية في العراق وسيطرة قوى جديدة، أعاد الشاعر النظر في النص، وأضاف إليه أبياتًا جديدة، لتصبح القصيدة شهادة مزدوجة: على زمن القهر السابق، وعلى القدرة الشعرية على الصمود والمواجهة في مواجهة التغيّرات السياسية والاجتماعية. تعكس هذه التعديلات والاضافات مراحل مختلفة من الصراع مع السلطة، وتمكن القارئ من متابعة التحولات الفكرية والموقف الأخلاقي للذات الشعرية قبل وبعد التغير في العراق.

المقدمة

تهدف هذه الدراسة إلى قراءة قصيدة «قالوا: تدلّل!» للشاعر عبد الستار نورعلي من منظور مادي–بنيوي وسيميائي، مع إيلاء عناية خاصة للسياق التاريخي الذي ولدت فيه القصيدة وتحوّلاتها اللاحقة. تنطلق الدراسة من فرضية أنّ النص الشعري يتجاوز كونه تجميعًا جماليًا للمفردات، ليكون بنية صوتية ودلالية تشتغل كأداة موقف. لذلك نركّز على آليات تشكّل الهوية الشعرية في القصيدة — الإيقاع، التكرار، التوازي، التقَطيع الصوتي — وإلى جانبها على آليات الاستعارة والانزياح الدلالي التي تعيد تأويل المفردات وتُنشيء رموزًا مقاومة.

تأخذ هذه القراءة بعين الاعتبار البُعد الزمني المزدوج للنص: جذور القصيدة في أجواء القمع السياسي عام 1978 حين كُتبت النسخة الأولى، وما نَتج عن إعادة النظر والإضافة في المنفى لاحقًا، حيث اتسع مرجع «قالوا» ليشمل أقنعةً سلطوية جديدة (دينية وطبقية واجتماعية). في ضوء هذا التطور، تتحول عبارة النداء «قالوا: تدلّل!» من توجيه ترغيبي محض إلى علامةٍ لآليات ترويض متحولة، فيما تصبح «قلتُ: لا!» بفعل الصوت والوقفة يؤسّس لهويةٍ أخلاقية مقاومة تمتد عبر الأزمنة.

تنقسم الدراسة إلى محاور متكاملة تتقاطع منهجيًا: تفسير العنوان ونص القصيدة، قراءة الأبيات في ضوء ثنائية ما قبل التغيير وما بعده، تفكيك الاستعارات والانزياحات كآليات لإنتاج الذات الشعرية، تحليل البنية المادية للصوت والنبر كأدوات لتوليد التوتر الاحتجاجي، وفحص العلاقات الجدلية بين الذات، والآخر، والسلطة، والمجتمع. كما يتناول القسم السيميائي شبة العلامات الرمزية ويبيّن كيف تُشتغل هذه العلامات داخل البنية البنيوية للنص لتؤسس معنىً مقاومًا.

في نهاية المطاف، تسعى الدراسة إلى إظهار أن القصيدة ليست مجرد رد فعل تاريخي موثّق فحسب، بل نصٌّ متحوّل يُعيد صياغة مواقفه الأخلاقية والفنية عبر الزمن: من رفضٍ ظرفي إلى «لا» تأسيسية، ومن صورة شعريّة إلى فعلٍ أخلاقيٍ يبلور هويةً لا تُهرَب ولا تُشترى.

القصيدة

(قالوا: تدلّلَ!)

منْ قبلُ:

قالوا: تدلّلَ!

قلتُ: لا!

ما بالدلالِ حَيِيْتُ

المرءُ إنْ حميَ الهوى

في القارعـاتِ يفـوْتُ

لا يُصلحُ الوجهَ القناعُ

فـمُرتديـهِ مقيـْتُ

منْ رامَ وصلَ حبيبهِ

لا ينـثنـي، فيفـوْتُ

العشقُ خمرٌ صِرفُهُ

للعاشـقينَ القُـوْتُ

والتَّوقُ نشوةُ جَمرهِ

للهـائميـنِ مُـميـْتُ

صُبّوا الكؤوسَ فإنّني

في الشِّـاربينَ لَحوتُ

مَنْ يملأُ القدحَ الشَّرابَ

وعاقروهُ سكـوتُ!

لا أرتـضـي كأسـاً

فإنّ العاتياتِ حُسِيْتُ

لمْ يروِ مِنْ ظمأي محيطٌ

هـادرٌ وصَمـوتُ

أو منْ تمنطقَ بالحروفِ

وحظُهُـنَ سُـكوتُ

فأنا البحارُ أنا السَّفائنُ

في الخضمِّ أفوتُ 3

ما كنتُ يوماً مِنْ صدىً

أو تـابـعًا فـدَنِـيْـتُ

أو خافضاً عيني لعِلجٍ

بالفُتـاتِ رُمـيْـتُ

فنساءُ أهلي الشَّامخاتُ

حليبَـهنَ سُـقيْتُ

ورجالُ بيتي الملحماتُ

تـوثـُّبٌ وثُـبـوتُ

إنّي الَّذي ذاقَ الهوا

للعـاليـاتِ قَـنُـوتُ

سيزيفُ، أحملُ صخرةً

ذراتُـها الكبـريـتُ

هذا أنا:

مِنْ كلِّ أدرانِ السِّفوحِ نَقِيْتُ

لمْ أخشَ منْ لبسَ الوقارَ

رداؤهُ الكَـهنـوتُ

أو منْ تبخترَ بالحريرِ

حـذاؤهُ الياقـوتُ

الكلُّ أصلٌ واحدٌ

مِنْ طينةٍ منحوتُ

وإلى ترابٍ عودةٌ

والباقياتُ الصِّيتُ

فلِمَ التَّكبُّـرُ والصُّدودُ!

ختامنُا مـوقوتُ

لا فرقَ بينَ العرشِ أو

مَنْ في الكفافِ يموت

تفسير العنوان والأبيات

تفسير العنوان:

يعمل العنوان «قالوا: تدلّل!» كبوابةٍ خطابية تكشف عن آلية السلطة في استمالة الأفراد: فالفعل «تدلّل» في ظاهره دلالة على التودّد أو المداعبة، لكنه في النص يُستعاد كقناع يموّه عملية ترويضٍ أوسع. صيغة «قالوا» توري بإبهامٍ الفاعل وتعمّم فعل الإغراء على «أخرى» اجتماعية أو مؤسساتية، بينما يحوّل ردُّ الشاعر «قلتُ: لا!» هذا الإغراء إلى لحظة تأسيسٍ أخلاقيّة. ومع إدخال الأبيات اللاحقة في المنفى، يتّسع مرجعُ «قالوا» ليشمل أقنعةً سلطويةً جديدة ” دينيةً وطبقيةً ” فتُصبح دعوةُ «التدلّل» علامةً مزدوجةً: أداة قمعٍ مموّهة عبر الأزمنة، وُالرفضُ المؤسَّسُ معيارَ الصدق والكرامة عند الشاعر.

والأبيات

منْ قبلُ: “قالوا: تدلّل! قلتُ: لا!” — لحظة التأسيس الشعري للموقف الرافض

تعمل عبارة «من قبلُ» بوظيفتين متداخلتين: وظيفة زمنية تُحيل إلى مرحلة سابقة (ظرف القمع عام 1978) ووظيفة وجودية تُؤسِّس للموقف؛ إذ لا تعني فقط «في الماضي» بل «من الأصل» أي أنّ رفض الذات لم يكن ردَّ فعل ظرفيًّا بل هو قاعدة وجودية متجذّرة. تحويل «قالوا: تدلّل!» إلى خطابٍ سلطويٍّ مموَّهٍ بالإغراء يبرز كيف تُعرض على الشاعر (أو على مجموعاتٍ من المعارضين) إمكانية التنازل مقابل امتيازات، فيردّ الشاعر بـ«لا» الحاسمة التي لا تؤشر إلى مجرد رفض تكتيكي، بل إلى تثبيت هويةٍ أخلاقيةٍ لا تقبل الانقياد. من ثمّ، يصبح هذا البيت محورًا تأسيسيًا لقراءة القصيدة ككلّ: هو نقطة الانطلاق التي تُفسّر الإضافات اللاحقة في المنفى — حيث تتبدّل أقنعة السلطة (من القمع المباشر إلى ستر الدين والطبقية) — فتؤكد استمرارية وضعف كل محاولات الترويض أمام «لا» الأصيلة. (يمكن توثيق «قالوا» في هامش: هل تعني الأجهزة الأمنية، أم دوائر اجتماعية متواطئة، أم كلاهما؟ — انظر الأبيات المضافة التي تكشف أقنعة الكهنوت والترف.)

«ما بالدلالِ حييتُ» تُقرأ على مستويين: لغويًّا وصيغيًّا، وبينهما دلالة تأويلية مركزية. نحويًا، «ما» نافية تُعطي الجملة صبغة إنكارية تامة، و«بـلا» ظرفية تدلّ على الوسيلة أو القاعدة (أي: «بواسطة/بواسطته»)، فالمعنى الحرفيّ هو: «لم أعش بواسطة الدلال». لكن الدلالة السياقية عميقة؛ فـ«الدلال» هنا لا تُقصد بمعناه الحسي أو الغزلي فحسب، بل تُستخدم مجازًا على التملّق والانحراف عن المبدأ، والانقياد لغرائز الملاءمة أو امتلاك امتيازات على حساب الموقف.

قد يعجبك ايضا