الكتابة بين العقول الكبيرة والعقول الصغيرة

د. ابراهيم احمد سمو

حين يُسأل الكاتب: “لمن تكتب؟ ومن يقرأ لك؟ وهل يستحق النص كل هذا الجهد؟” تكون الإجابة أعمق من مجرد كلمات عابرة. فالكتابة ليست لعبة عابرة للزمن، بل هي انبثاق من داخل الروح، محاولة دؤوبة لصياغة المعنى في زمنٍ يضج بالسطحية.

أكتب لأنني أجد في الكتابة ذاتي الحقيقية. أكتب بصدق، وبنَفَس طويل لا يضيق بالعجلة، وبعقلية تحاول أن تُحاور الكبير قبل أن تُجامل الصغير. النصوص التي أكتبها ليست مجرد أسطر للحشو، بل هي محاولات لبناء فكرة، وربما فتح نافذة على معنى أعمق مما يراه القارئ لأول وهلة.

لكن القراءة، شأنها شأن الكتابة، لا تخلو من اختلافٍ في التلقي. فإن قرأ نصوصي صاحب عقلٍ واسع وخيالٍ خصب، وجد فيها ما يستحق التأمل، بل وربما وجدها أطول مما يتوقع، لأنها تغوص في العمق وتثير الأسئلة. أما إذا قرأها من ضاقت عليه العقول، فلن يرى فيها إلا سطورًا ثقيلة، وربما وصفها بالصغيرة التي لا تستحق القراءة. وهنا المفارقة: النص لا يتغيّر، لكن العقول هي التي تُعيد تشكيله وفق قدرتها على الفهم.

إنني لا أكتب للعقول الصغيرة ولا أرجو منها فهمًا أو تقديرًا. فهؤلاء يكتفون بالنظر إلى العنوان أو الاسم، ثم يلقون حكمًا مسبقًا بدافع الحقد أو الضيق، وكأن الكتابة مجرد تسلية سطحية. ما يعنيني حقًا هو أن تصل كلمتي إلى من يمتلك عقلًا كبيرًا، حتى وإن لم يضغط “إعجابًا”، أو يترك تعليقًا في العلن. فالصمت أحيانًا أبلغ من أي كلمة، لأنه يخفي وراءه إدراكًا وتشجيعًا ضمنيًا يجعل الكاتب يستمر في طريقه.

نحن لا نكتب بحثًا عن التصفيق ولا انتظارًا لأرقام المتابعة، بل نكتب لنُبقي شعلة الفكرة متقدة. الكتابة ليست تجارة بضاعة سريعة تُستهلك وتُرمى، بل هي بذرة تُزرع في عقول مستعدة للإنبات. يكفيني أن يمر أحدهم على نصي في لحظة مناسبة من عمره، فيجد فيه ما يُحدث رجّة في داخله، فيعيد التفكير أو يطرح سؤالًا جديدًا. ذلك هو جوهر الجدوى، وتلك هي غاية الاستمرار.

فالكتابة الحقيقية لا تُقاس بعدد القرّاء، بل بنوعيتهم. قد يمرّ على النص آلاف دون أثر، بينما قارئ واحد يملك عقلًا واسعًا قادر على أن يمنح النص حياة جديدة. لهذا، أكتب دون أن ألتفت إلى كثرة المارين، بل أُركز على أثر النص في من يستحق أن يتوقف عنده.

إنها رحلة بين العقول، لكنها ليست رحلة متساوية. فهناك من لا يرى في الكلمات سوى عناوين، وهناك من يغوص في النص حتى أعماقه. لذلك، اخترت منذ البداية أن أكتب للعقول الكبيرة، وأترك الصغيرة لحالها. لأن النص الذي يُكتب بصدق لا يحتاج إلى “لايك” كي يثبت وجوده، بل يكفيه أن يترك أثرًا في مكان ما من عقل قارئ حقيقي

قد يعجبك ايضا