حينَ تصمتُ المدن وتتكلمُ ذاكرة العراق ..

نوري جاسم
في كل صباحٍ عراقي، ينهض الوطن مثقلاً بما تبقى من الحنين، تتصفح الذاكرة وجه بغداد، صخب البصرة، وهدوء أربيل، كأن المدن تختزن في صمتها كل الحكايات التي لم تُروَ بعد. هل سألنا أنفسنا: كيف أصبحت مدننا تتكلم بالذكريات أكثر مما تتكلم بالناس؟ لماذا صار المكان أثقل من الزمان؟ ولماذا نحسّ أننا نعيش في “متحف حي”، نمرُّ بين شوارعه لا لنصنع الحياة، بل لنسترجعها؟ مدن العراق، التي عرفت الحضارة قبل أن تُكتَب، لم تعد تسأل عن المستقبل، بل تجلس في زاوية التاريخ تتأمل ما مضى. من نينوى إلى الكوفة، من الحلة إلى كركوك، كلها تقف على عتبة الانتظار، تنتظر من يقرأ جدرانها كأنها مخطوطة، ويُعيد لها نبضًا يشبه الذي كانت عليه حين كانت مراكز للعِلم، وموانئ للحب، وموطئًا لخطوات الأنبياء والشعراء.

ولكن، هل فقدنا القدرة على الحلم؟ كلا. الشعوب التي تكتب عن ألمها، لا تموت. والتي تحاور حاضرها بصدق، يمكن أن تصنع فجراً مختلفًا. نحن لا نفتقد الإرادة، بل نفتقد الثقة بأن التغيير يبدأ منّا، لا من الآخرين. فحين يصمت السلاح، تبدأ الأبجدية تتكلم، وحين يتوارى الفساد، تنهض القيم. والعراق، بطبيعته، لا يُهزم. فقط يتعب.. ثم يعود. يمرض ولكنه لا يموت، يتعافى سريعا، وليست هذه دعوة للبكاء على الأطلال، بل نداء لأن نحول الأطلال إلى أساس نبني عليه. أن نحول الذاكرة من سجن إلى محرّك. وأن نصنع من هذا الإرث المعذب شعلة لا تنطفئ، بل تُنير ما بقي من الدرب. فيا أبناء الرافدين، لا تجعلوا المدن تنسى أسماءكم. ولا تتركوا الحاضر يضيع بين أنقاض الماضي. ما الذي حدث؟ هل تعبت العيون فلم تعد ترى؟ أم أن الشناشيل التي كانت تتنفس شط العرب في البصرة، وتمدّ الأمل من بين أخشابها المزخرفة، صارت تبكي بصمت؟ نعيش في وطنٍ يمكن أن يكون لوحة، وطنٌ يمكن أن يكون مرآة للشرق، لكنه يُترك زجاجه ليغيم بالغبار.

وكلما نظرنا حولنا، شعرنا أننا نملك كل شيء: تاريخ لا يضاهى، أرض لا تشيخ، بشرٌ فيهم الدفء والذكاء والكرامة، ولكننا لا نُحسن التعامل مع هذه الكنوز. الخطر الحقيقي ليس في الخارج. الخطر في أن تذبل الروح قبل أن يذبل الجسد، أن نتعايش مع القبح حتى ننسى جمالنا، أن نعتاد على القليل ونحن نستحق الكثير. أن نصاب بأمراض العجز ونحن في عمر القوة، أن ندفن الفكرة قبل أن تولد. والعراق لا يحتاج لمن يمدحه، بل لمن يصونه. لا يحتاج لمن يكتب عنه، بل لمن ينهض له. نحن أبناء بلادٍ علّمت العالم الحرف، فلا يليق بنا أن نخطأ في كتابة المستقبل. لا يليق بنا أن نستعير الزمن من غيرنا بينما يجري الزمن بين أيدينا، وفينا ما يكفي من نخيل وانهار وحكمة.

البصرة تنادينا من شناشيلها، بغداد من مناراتها التي كانت تطل على الكتب، نينوى من أطلالها التي تريد أن تقوم، وكركوك من نفطها وكنوزها، والأنبار من تاريخها الوضاء، والنجف من علو علي علياء قبب نورها، وديالى من بساتينها وحمضياتها، ومن صلاح الدين عزها ومجدها، ومن السليمانية بجبالها، وواسط بروحها، ومن المثنى بصفاء المعنى، ومن دهوك بحبها وعبقها، ومن ميسان باهوارها، ومن بابل الحضارة والتاريخ، والناصرية من مهدها الذي أنجب أول حضارة. المدن كلها تهمس: لا تُطفئونا. هذه أرض العراق بسهولها ووديانها وجبالها وانهارها، وتلك العيون العراقية العصرية، التي رأت الحروب والصعوبات، لكنها ما زالت ترى النور، ترى فرصة، ترى أن التغيير لا يصنعه الغرباء، بل أبناء البيت حين ينظفونه، يعمّرونه، يضيئونه من جديد. لا تخافوا على العراق. خافوا من أن نعتاد أن نكون أقل من العراق. خافوا من الذين لا يرونه كما هو عظيمًا، صلبًا، ساحرًا، لا يليق به سوى النهوض….

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. .

قد يعجبك ايضا