خوشناف سليمان
منذ اللحظة الأولى لانهيار الدولة المركزية في سوريا. صعدت إلى السطح منظومات بديلة لا تقل استبدادًا. منظومات قادت انقلابًا أخلاقيًا مريعًا. نقلت المجتمع من سطوة الدولة الأمنية إلى هيمنة دينية مسلحة لا تقل بطشًا. في هذا المشهد. اختلط المقدس بالدم و تحولت السكينة الاجتماعية إلى فراغ تعيث فيه قوى الجهل والتوحش.
ما شهدته سوريا في السنوات الأخيرة لم يكن فقط حربًا أهلية. بل عملية إعادة هندسة قسرية للقيم و الوعي الجمعي. عبر أدوات مستوردة وخطابات متطرفة. تجاوزت في ممارساتها كل الأعراف والحدود.
ولعل السؤال الأهم اليوم.. كيف تحولت جماعات مسلحة. تزعم النطق باسم الإله. إلى سلطة تفرض قوانينها على الناس بالسيف وتدير شؤونهم بديوان شرعي فوق القانون؟
– تأسيس المنظومة العدائية للقيم الطبيعية
ظهرت هذه المنظومات أولًا في مناطق النزاع المفتوحة. مستفيدة من غياب الدولة وتفكك المجتمع. ففرضت منطقها بقوة السلاح. و جعلت من كل شكل من أشكال الأخلاق المدنية هدفًا للتصفية.
الروادع التي كانت تحكم المجتمعات (العرف. القانون. الضمير الديني المتسامح) تم استبدالها بجهاز قمعي تكفيري ينظم حياة الناس بمنطق الثواب والعقاب الدموي. تم تقنين الانتهاك. و تم تشريع القتل. و صارت مفاهيم مثل الحسبة والردة والزنا تبرر ذبح المدنيين والتمثيل بجثثهم.
– الإيديولوجيا المؤسسة
اعتمدت هذه المنظومة على خطاب سلفي جهادي. يستند إلى فتاوى متطرفة من أدبيات جماعات مثل القاعدة وداعش. في هذا الخطاب. يتم نزع الإنسانية عن المخالف. و يتم شيطنة كل من لا يدخل في دار الإسلام وفق تعريفهم. ويصبح قتله أو أسره مباحًا.
باسم الشرع. جرى تدمير المدارس. إحراق الكنائس. تفجير المراقد. و تهجير القرى بأكملها. وتحولت المرأة إلى غنيمة. والطفل إلى وقود حرب. و الهوية الدينية أو القومية إلى مبرر للذبح.
– من يدير هذا الفكر؟
إنها شبكات متكاملة تتوزع بين..
– فقهاء من الهامش يفتون بالقتل ويشرعون الفظائع.
– قادة ميدانيون ذوو سوابق إجرامية. يتحكمون بالمحاكم والسجون والمشانق.
– ممولون من دول و أنظمة لها أجندات سياسية. مثل تركيا وقطر.
التحالف بين المال و الجهل والسلاح خلق منظومة متماسكة. تمتلك خطابًا و قدرة تنظيمية وأدوات تنفيذية. لكنها فارغة من أي مشروع إنساني.
– التمويل والبنية التحتية للعنف
لم تكن هذه الجماعات لتصمد لولا تدفقات مالية وتسليحية منظمة. تمت عبر قنوات استخباراتية وشبكات دعم لوجستي. من داخل المنطقة و خارجها. كانت تركيا. بشهادة تقارير موثقة. المعبر الأهم للمقاتلين الأجانب. فيما وفرت قطر الغطاء الإعلامي والسياسي لكثير من هذه الجماعات في لحظات مفصلية.
تم إنشاء أسواق للنخاسة في الرقة والموصل. و أقيمت محاكم شرعية بإشراف مباشر من شخصيات مرتبطة بأجهزة استخبارات. و تم تمويل هذه المنظومات عبر تجارة الآثار. النفط. السلاح. و حتى الاتجار بالبشر.
– الممارسات الإرهابية ضد المختلفين
في مناطق مثل سنجار وكوباني وعفرين وتل أبيض ورأس العين. ارتكبت مجازر موثقة بحق الكورد و على وجه الخصوص الإيزيديين منهم والمسيحيين. تم سبي النساء. ذبح الأطفال. تجريف المقابر. تدمير الكنائس. وتحويل الأديرة إلى مراكز اعتقال.
في الساحل السوري. جرى استهداف علويين في أكثر من هجوم مسلح. وفي السويداء. تعرض الدروز لهجمات متفرقة من خلايا متشددة. وفي دمشق. فجرت الكنائس والأحياء المختلطة بعنف أعمى. لم يفرق بين طفل وشيخ وامرأة.
أبرز الجرائم..
– مجزرة سنجار (2014).. ارتكبت داعش إبادة جماعية بحق الإيزيديين. أسفرت عن آلاف القتلى والمختطفين.
– الهجوم على كوباني (2015).. محاولة لاجتياح المدينة الكردية وإبادة سكانها.
– احتلال عفرين (2018).. نفذتها تركيا وفصائل موالية لها. شملت تهجيرًا قسريًا وتغييرًا ديموغرافيًا.
– مجازر تل أبيض ورأس العين (2019).. شهدت عمليات نهب وقتل واستهداف للمدنيين الكرد.
– إدارة الرعب باسم الدين
تم إنشاء دواوين شرعية تديرها شخصيات لا علاقة لها بالعلم الشرعي الحقيقي. بل هم أمراء حرب يفتون بما يخدم سلطتهم. هؤلاء أداروا محاكم ميدانية. أصدروا فيها أحكامًا بالإعدام أو الرجم أو الصلب. بناء على وشايات أو شكوك أو حسابات شخصية.
وفي هذه البيئة. أصبح القتل نصرًا. و التنكيل عبادة. و الغنيمة شرفًا. حتى لقمة الطفل اليتيم. لم تسلم من أيديهم. حرقت البيوت. نهبت المحال. وبيع كل ما يمكن بيعه في أسواق الغنائم.
– من المسؤول؟
القائمة طويلة لكن يمكن التوقف عند أبرز الأطراف..
– تركيا.. عبر دعم مباشر لفصائل مسلحة في الشمال السوري.
– قطر.. عبر تمويل قنوات ووسائل إعلام وروابط دينية حاضنة لهذا الفكر.
– حكومات غربية تجاهلت صعود هذه الجماعات طالما كانت تستنزف النظام أو خصومه.
– أجهزة أمنية إقليمية ساهمت في خلق هذه الكيانات وتوجيهها.
ما جرى في سوريا ليس فقط صراعًا على السلطة. بل هو صراع على المعنى. بين أخلاق تنتمي إلى المستقبل. وأخلاق تريد جر المجتمع إلى قعر التاريخ.
الرد الوحيد الممكن. هو مشروع وطني جامع. لا يستثني أحدًا. ويعيد الاعتبار للإنسان السوري. بوصفه غاية السياسة لا وسيلتها. مشروع يؤمن بالحق. لا بالغنيمة. بالكرامة. لا بالطاعة. بالعدالة. لا بالانتقام.
ولا خلاص… دون وعي أخلاقي جديد.