أ.د.خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر
في مثل هذا اليوم من شهر اب عام 1988، وبينما صمت العالم صمتاً مريباً، شهدت بهدينان واحدة من أبشع الجرائم في القرن العشرين: المرحلة الأخيرة من حملات الأنفال سيئة الصيت. تحوّلت القرى والوديان الكوردية إلى ميادين موت، حيث شنّ النظام العراقي البائد حرباً شاملة على الوجود الكوردي، لم تفرّق بين شيخ وطفل، ولا بين امرأة ورجل، سوى لذنب واحد: أنهم كانوا كورداً متمسكين بأرضهم وهويتهم.
في الخامس والعشرين من آب 1988، حشد النظام مئات الآلاف من جنوده المدججين بالسلاح ووجّههم نحو قرى بهدينان .
لم تكن العملية حرباً بالمعنى العسكري، بل إبادة جماعية متعمدة ضد مدنيين عزّل من مختلف المكونات القومية والدينية. قرى سويت بالأرض، عائلات كاملة اختفت، آلاف الأرواح أزهقت في أيام معدودة، فيما بقي الناجون مشرّدين والذاكرة الجماعية مثقلة بجراح لا تندمل. الأنفال لم تكن مجرد معركة في زمن الحرب، بل خطة ممنهجة لاجتثاث شعب بكامله من جذوره، عبر محو وجوده وثقافته وحقه في الحياة. لقد أراد النظام أن يمحو كوردستان من الخارطة ومن الذاكرة معاً.
ورغم مرور سبعة وثلاثين عاماً، ما زالت آثار المأساة حيّة: مقابر جماعية لم تُفتح بعد، بيوت لم تُرمّم، ودموع أمهات لم تجف. المحكمة الجنائية العراقية العليا وصفت ما جرى بأنه جريمة إبادة جماعية، لكن القرار ظلّ حبراً على ورق. لا تعويض لذوي الضحايا، ولا تنفيذ فعلي للعدالة، وكأن الألم وحده هو ما كُتب له أن يبقى. فهل تكفي قرارات قضائية لتعويض أم فقدت أبناءها؟ أو كلمات تضامن لإعادة قرية مُسحت من الوجود؟ إن الجواب واضح: لا. فالعدالة لا تتحقق بالتصريحات، بل بالفعل والالتزام الأخلاقي والسياسي والقانوني.
حملات الأنفال ليست شأناً كوردياً داخلياً فقط، بل جريمة ضد الإنسانية جمعاء. إن صمت العالم عنها يشبه المشاركة الضمنية في استمرارها.
الأنفال ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل حاضر يتنفس في ذاكرة كل كوردي. كل طفل كبر بلا أب هو أنفال، كل أم تنتظر أبناءها المدفونين في المقابر الجماعية هي أنفال، وكل قرية أعيد بناؤها على أنقاض المجزرة تحمل في حجارتها أنين الضحايا. إن استذكار الأنفال ليس طقساً سنوياً أو خطاباً سياسياً، بل تأكيد متجدد على أن الجريمة لا تُنسى ولا تسقط بالتقادم. الواجب الوطني والأخلاقي يفرض على الحكومة العراقية تنفيذ قرارات التعويض وتحقيق العدالة الانتقالية، وإدراج هذه الجرائم في المناهج الدراسية، وتوثيقها في المحافل الدولية، حتى تُروى كما حدثت، بلا تزوير ولا إنكار.
وإذا كانت الأنفال قد وقعت قبل سبعة وثلاثين عاماً، فإن سياسات الحكومة العراقية الحالية لا تزال تُثقل كاهل الكورد وتعيد إلى الأذهان عقلية الماضي. فبدلاً من جبر الضرر وتعويض الضحايا والبحث الجاد عن المقابر الجماعية التي تضم رفات الآلاف من الأبرياء، اختارت بغداد أن تمارس أشكالاً جديدة من العقاب الجماعي عبر قطع الميزانيات عن الإقليم وحرمان الموظفين من رواتبهم، وكأن المعاناة قدر كُتب على الكورد جيلاً بعد جيل. إن هذا التقاعس عن إنصاف الضحايا واللامبالاة بحقوقهم ليس فقط إخلالاً بالعدالة، بل امتداد غير مباشر لسياسات الأنفال، وتأكيد على أن الجرح لم يندمل بعد، وأن مأساة بهدينان ما زالت تتجدد بأشكال مختلفة في الحاضر.