ضباب الحرب وأشواك التغيير

نوري جاسم …

من النادر أن تجد دولة تمرّ بلحظة مراجعة مؤلمة كما تعيشها إيران الآن. فما بعد حرب حزيران ليس كما قبلها. فبرغم توقف القصف في السادس والعشرين من ذلك الشهر، إلا أن الصمت لم يكن سلاماً، بل استراحة قصيرة في منتصف صراع طويل. والمفارقة أن طهران، التي طالما قدّمت خطاباً سيادياً حاداً، تجد نفسها اليوم عالقة بين فكي كماشة: التهديد الخارجي وضغط الانقسام الداخلي. والحرب التي خاضتها إسرائيل، بدعم غربي مباشر، لم تحقق أهدافها المعلنة في كسر النظام الإيراني أو إسقاط مشروعه النووي، لكنها كشفت ثغرات خطيرة في البنية الأمنية والعسكرية الإيرانية، وهزّت جدار الردع الذي طالما تباهت به طهران.

ومع بقاء التهديد قائماً، تُطرح اليوم أسئلة قاسية داخل أروقة السلطة ومراكز البحث: ما السبيل لمنع حرب أخرى؟ وهل باتت الاستراتيجية الحالية عبئاً أكثر من كونها درعا؟ وفي الداخل الإيراني، ارتفعت الأصوات المنادية بالتغيير، لا من منطلق الهزيمة، بل من باب البقاء. لقد أدركت النخب، حتى تلك المحسوبة على التيار المحافظ، أن الحرب أظهرت هشاشة في الأداء الاستخباري والتقني، إذ تشير التحقيقات إلى اعتقال أكثر من 21 ألف شخص بشبهة التعاون مع أجهزة تجسس أجنبية، وعلى رأسها الموساد. هذا الرقم وحده كفيل بإعادة تعريف مفهوم “الاختراق”. ولكن ما يزيد الطين بلّة، هو غياب الإجماع الداخلي بشأن المسار المقبل. فالرئيس بزشكيان، القادم من جناح يفضّل الدبلوماسية على المغامرة، يواجه حملة شرسة من التيار الأصولي، وصلت إلى حد التلويح بسحب الثقة. فيما يتمسّك الإصلاحيون بخيارات أكثر جرأة، أبرزها إيقاف تخصيب اليورانيوم طوعاً، والتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، بل وحتى إعادة هيكلة دور الحرس الثوري ليكون تحت مظلة الجيش فقط، بعيداً عن الاقتصاد والإعلام.

والسؤال الجوهري الذي يطرحه المراقبون: هل تستطيع إيران أن تغيّر دون أن تنهار؟ إن التجربة السوفييتية، التي ما زالت تطارد صنّاع القرار الإيراني، تلقي بظلّها الثقيل على أي محاولة للإصلاح الجذري. الخوف ليس فقط من التنازلات، بل من النتائج غير المتوقعة لمسار الانفتاح إذا لم يكن مضبوطاً ومحسوباً بدقة. ومع ذلك، هناك من يرى أن تأخير الإصلاح هو نفسه طريق إلى الانهيار. وقد طرح بعض المفكرين الإيرانيين نموذج الصين في التحول التدريجي، كما فعله دنغ شياو بنغ، لكنه يتطلب زمناً لم تعد الجغرافيا السياسية تمنحه بسخاء. والاقتصاد، من جانبه، يعاني من نزف مستمر: العقوبات، العزلة، هجرة الكفاءات، وتراجع الاستثمارات. يكفي أن نشير إلى خروج أكثر من 216 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة لفهم حجم الفجوة بين الشعارات والواقع. وأمام هذه الأزمات المتشابكة، بدأ النظام بتحركات محسوبة. أبرزها التغييرات في البنية الأمنية العليا، حيث تم تعيين علي لاريجاني أميناً لمجلس الأمن القومي، خلفاً لأحمديان، مع إشراك شخصيات ذات ثقل مثل شمخاني وأحمديان في مجلس الدفاع الجديد. هذه الخطوات توحي بمحاولة لخلق توازن بين الواقعية السياسية والحفاظ على ثوابت النظام.

وفي مؤشر على تحوّل في اللهجة الرسمية، صرّح لاريجاني قائلاً: “نحن مستعدون للتفاوض مع أمريكا إذا كان ذلك طريقاً للحل، لا ستاراً لحرب أخرى”. هذا التصريح لا يخلو من براغماتية قد تعكس إدراكاً داخلياً بأن التصلب لم يعد مجدياً في زمن الانكشاف الاستراتيجي. وإيران اليوم ليست فقط أمام خيار سياسي، بل على مفترق وجودي. إما أن تختار طريق التغيير، بما يحمله من مخاطرة، أو تواصل التمسّك بنهج أثبت أنه مكلف وغير قادر على حماية البلاد من التهديدات. المفكر الإيراني محمود سريع القلم اختصر المأزق بقوله: “لا يمكن الجمع بين اقتصاد تنموي وعقيدة أيديولوجية جامدة”. وهي معادلة يعرفها التاريخ، لكنها لم تُحلّ بعد. والمرحلة المقبلة لا تحتمل التردد. فالتاريخ لا ينتظر المتأخرين، ولا يرحم المترددين. وفي عالم تُحكمه المصالح لا الشعارات، فإن بقاء إيران كدولة وأمّة سيكون مرهوناً بقدرتها على إعادة تعريف دورها، في المنطقة وفي النظام الدولي الجديد برمته…

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …

قد يعجبك ايضا